ك ... ط ... ق
م ... ب ... ف
هـ ... ح ... خ ... ظ
وتجدر الإشارة إلى أن الجهود العلمية لأعلام التعمية واستخراج المعمّى لم تقتصر على الإحصاء اللغوي للحروف المكتوبة، بل اتسعت لتشمل الدراسات الكمّيّة الإحصائية لدوران الحروف في الكلام المكتوب مجرّدًا ومزيدًا في نصوص مختارة، ومعرفة مراتبها، وانقسامها إلى ثلاث مجموعات: كثيرة الدوران (ا، ل، م، و، هـ، ي، ن) ومتوسطته (ر، ع، ف، ت، ب، ك، س، ق، ح، ج) وقليلته (ظ، غ، ط، ز، ث، خ، ض، ش، ص، ذ) ومن حرصٍ على استقصاء القوانين الصوتية الناظمة لائتلاف الثنائيات وتنافرها اعتمادًا على الإحصاءات السابقة، بل تجاوز الأمر ذلك إلى دراسات لغوية أخرى، هي من تمام عُدّة الْمُتَرْجِم وصولًا إلى حلّ الْمُعَمَّى. وقد ذكرها بعض أعلام التعمية كابن عَدْلان وابن الدُّرَيْهِم مثل: الدراية الجيدة باللغة، وأصول الكتابة، والنحو، والتصاريف، والتراكيب المستعملة في اللغة، والعروض والقوافي، وما يكثر استعماله ويقلّ ويتوسط، من الكلمات الثنائية والثلاثية، والفواصل والتمجيدات، وأطوال الكلمات، ومبلغ نهاية المجرد من الأفعال والأسماء، ومنتهى تكرار الحرف الواحد في الكلمة الواحدة، وفي الكلام المتصل. ولعلّ خير مثال لما تقدّم ما نجده في رسالة ابن الدُّرَيْهِم (مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز) التي اشتملت على بيان عُدَّة الْمُتَرْجِم «معرفة اللغة التي يروم حلّها، وقواعدها الصرفية، وتواتر حروفها، ورسمها من حيث الفصل والوصل، وعددها، والألفبائيات والأبجديات» [1] .
يؤكّد جميعُ ما تقدّم في البحث ريادةَ العلماء العرب والمسلمين في علم الإحصاء اللغوي للحروف سواء أكان ذلك في النص القرآني لدى أصحاب علوم القرآن، أم في النصوص المكتوبة لدى أصحاب التعمية واستخراج الْمُعَمَّى، وهو ما لم يظهر في اللغات الأخرى إلّا بعد عِدّة قرون. وهذا يقتضي أن تُضاف ريادتهم في هذا العِلْم إلى قائمة الريادات الْمُثْبَتة للعرب والمسلمين في كثير من العلوم كالطب والهندسة والرياضيات والفلك والبصريات وغيرها، مما كان له أثرٌ كبير في تطوّر الحضارة الإنسانية في الميادين العلمية.
(1) انظر كلام ابن الدُّرَيْهِم في كتابنا (علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب) 1/ 322 - 324.