الصفحة 3 من 43

ريادة العرب في الإحصاء اللغوي

يتناول هذا البحثُ رصدًا وكشفًا ودراسةً وتحليلًا جهودَ فريقين من العلماء الأعلام في تراثنا العربي والإسلامي، اهتمّوا بـ (الإحصاء اللغوي) للحروف والكلمات في نصوص محدّدة، وصولًا إلى بيان ريادتهم وسبقهم في هذا العلم. أولهما: أصحاب علوم القرآن من أعلام الصحابة والقُرّاء والحُفّاظ والتابعين، الذين عُنُوا بإحصاء سور القرآن، وآياته، وكلماته، وحروفه، وبعلومه الأخرى التي يندرج فيها (علم الإحصاء القرآني) . وثانيهما: أصحاب التعمية واستخراج الْمُعَمَّى [1] (الشفرة وكسر الشفرة) منذ القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، الذين عُنُوا بإحصاء الحروف العربية في النصوص المكتوبة، ووقفوا على مَبْلَغ دوران كلّ حرف منها، وقسموها إلى كثيرة الدوران، ومتوسطته، وقليلته، وصولًا إلى استخراج النصوص الْمُعَمَّاة أو الْمُتَرْجَمَة وفق مناهج محدّدة مُعْتَمَدة، يعرفها أهل هذا العلم الذي شهد النَّصَفَة من المؤرِّخين الغربيين بريادة العرب وسَبْقهم إلى التصنيف في هذا العلم قبل أعلام التعمية الغربيين بنحو ستة قرون، وقد جاءت مُعَزّزة بالأدلّة والبراهين والمخطوطات التي أمطنا عنها اللثام، ونهضنا بتحقيقها ودراستها وتحليلها وموازنتها بنظيرها في الحضارة الغربية، وصدرت مطبوعةً عن مؤسسات علمية مرموقة باللغتين العربية والإنكليزية [2] .

(1) شارك الباحث في الكشف عن مخطوطات هذا العلم وتحقيقها ودراستها وتقديمها في المؤتمرات العلمية، وقد صدرت عن مجمع اللغة العربية بدمشق في جزأين بعنوان (علم التعمية واستخراج المعمى) : الأول 1987 م، والثاني 1997 م، كما صدرت مترجمة إلى اللغة الإنكليزية في ستة أجزاء عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض ما بين 2003 و 2007 م. وكتب عنها كثيرون في العالم العربي وخارجه، يقدمهم د. مكي الحسني أمين مجمع اللغة العربية بدمشق، و أ. مروان البواب عضو المجمع نفسه، ود. محمد مراياتي كبير مستشاري (الإيسكوا) في الأمم المتحدة لشؤون التكنولوجيا. انظر قائمة المراجع.

(2) يدلّ على تلك الريادة والسبق ما نصّ عليه كبيرُ مؤرِّخي هذا العلم البروفسور الأمريكي شيخ مؤرّخي التعمية في العالم (ديفيد كان David Kahn) في كتابَيْن بل موسوعتين له، أولهما: Kahn On Codes: Secrets of the New Cryptology (أسرار علم التعمية الجديد) . وثانيهما: THE CODEBREAKERS (مستخرجو المُعَمَّى) . قال [ص 21] : «اطّلعتُ على مقالٍ نُشر في مجلة الدراسات الساميَّة ... بيَّن أن العربَ مارسوا استخراج المعمّى قبل الغرب بزمنٍ طويل. ووفَّر لي هذا المقالُ ما أَعُدُّه أكبرَ فتحٍ تاريخيٍّ في كتابي كلِّه» . يقصد ما أورده القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) في باب (إخفاء ما في الكتب من السِّر) نقلًا عن عليّ بن الدُّرَيْهم في رسالته (مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز) مما سيأتي بيانه. وقال في الكتاب نفسه [ص 41] : «كانت طريقةُ التعمية التي استعملها قيصرُ كافيةً لعصره، لأن أوائلَ مستخرجي التعمية لم يَظهروا إلا بعد عدة قرون منه. فالعربُ هم الذين اكتشفوا مبادئ استخراج المعمّى، إلا أن معرفتهم تقلّصت مع أُفول حضارتهم، ولم يَكتشف الغربُ استخراجَ المعمّى من جديد إلا في عصر النهضة» . وقال في موضع آخر منه [ص 284] : «لقد طوّر المسلمون معرفةً نظريةً في استخراج المعمّى تَنِمُّ عن ممارستهم العملية لاعتراض المراسلات واستخراجِ تعميتها، وذلك على الرغم من تشكيكِ بعضِ الباحثين في ذلك. ولمّا كان التراثُ الإسلاميُّ المخطوطُ لا يزال غيرَ مكتشفٍ في معظمه، فقد يُحصِّل الباحثُ فيه اكتشافاتٍ جديرةً بالتقدير» . وقال في كتاب (( مستخرجو المعمَّى ) ) [ص 93] : «لم نَجدْ في أيٍّ من الكتابات التي نَقَّبْنا عنها أيَّ أثرٍ واضحٍ لعلم استخراج المعمَّى حتى الآن ... ومن ثَمَّ فإن علمَ التعمية الذي يشمل التعميةَ واستخراجَ المعمَّى لم يُولَد حتى هذا التاريخ [القرن السابع الميلادي] في جميع الحضارات التي استعرضناها، ومنها الحضارةُ الغربية. لقد وُلِدَ علم التعمية بشقَّيْه بين العرب؛ إذ كانوا أولَ من اكتشف طرق استخراج المعمَّى ودوَّنها ... ولما كانت ديانةُ هذه الحضارةِ قد حرَّمت الرسمَ والنحتَ [للأحياء] ، فقد حضَّتْ بالمقابل على التعمُّق في تفسير القرآن الكريم، فأدَّى ذلك إلى أن تَنصبَّ الطاقاتُ الخلاَّقةُ الكثيرةُ في متابعة الدراسات اللغوية، وفي الألغاز والأحاجيِّ والرموز والتوريات والجناس وأمثالها من الرياضات الذهنية اللغوية ... فأدَّى كلُّ هذا إلى أن يتضمَّن الكتابةَ السرِّية» . مقال (التعمية في التراث العربي) أ. مروان البواب، وانظر كتابنا (علم التعمية واستخراج المعمى) 2/ 27 - 32 وغيره من المراجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت