"فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور، يجدونه يوم يحتاجون إلى رصيد، يوم يحشرون مجردين من كل ما يملكون. فلا يجدون إلا ذلك الرصيد المذخور. فإذا بخلوا بالبذل، فإنما يبخلون على أنفسهم وإنما يقللون من رصيدهم وإنما يستخسرون المال في ذواتهم وأشخاصهم وإنما يحرمونها بأيديهم! أجل. فاللّه لا يطلب إليهم البذل، إلا وهو يريد لهم الخير، ويريد لهم الوفر، ويريد لهم الكنز والذخر، وما يناله شيء مما يبذلون، وما هو في حاجة إلى ما ينفقون: «وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ» .. فهو الذي أعطاكم أموالكم، وهو الذي يدخر لكم عنده ما تنفقونه منها. وهو الغني عما أعطاكم في الدنيا، الغني عن أرصدتكم المذخورة في الآخرة. وأنتم الفقراء في الدارين ... ففيم البخل إذن وفيم الشح؟ ... ثم الكلمة الأخيرة وهي فصل الخطاب .. إن اختيار اللّه لكم لحمل دعوته تكريم ومنّ وعطاء. فإذا لم تحاولوا أن تكونوا أهلا لهذا الفضل، وإذا لم تنهضوا بتكاليف هذه المكانة، وإذا لم تدركوا قيمة ما أعطيتم فيهون عليكم كل ما عداه .. فإن اللّه يسترد، ما وهب، ويختار غيركم لهذه المنة ممن يقدر فضل اللّه: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» .." [1] .
وهذا الجانب الأخلاقي، هو جانب أساسيٌ، في تمييز شخصية الأمة المسلمة، وتكوين وجدان وقناعات أفرادها، ويمكن القول بلا مبالغة: إن هذا الجانب هو أهم الجوانب
(1) - في ظلال القرآن. 6/ 3303. بتصرف