الصفحة 17 من 26

وجوهرها، ومثل ذلك قول"البديع"في المقامة البخارية:"طلع إلينا ذو طِمْرَين، قد أرسل صِوانًا، واستثلى طفلًا عُريانًا، يضيق بالضُّرّ وُسْعُه، ويأخذه القُرُّ ويدعه، لا يملك غبر القشرة بُردة، ولا يكتفي لحماية رعدة" [1] .

ففي عبارة"يضيق بالضر وسعه"، أي طاقته تضيق عن احتمال ما به من الضر، نجد الكناية، والاستعارة في آن واحد، وفي عبارة"يأخذه القر ويدعه"طباق واضح، وفي الوقت نفسه صورة من صور الكناية، وفي عبارة"لا يملك غير القشرة بُردة ولا يكتفي لحماية رعدة"جناس بين بردة ورعدة، وفيها أيضًا كناية عن الفقر والحاجة، كما نجد السجع، والازدواج. وهكذا تتداخل الألوان البديعية والبيانية بصورة مكثفة، ويحتاج فرزها إلى عشرات الصفحات بل المئات.

وفي هذا المبحث نحدق بنص المقامات، ونُقلِّب الجمل والمفردات لفحص أين ذهب"الهمذاني"إلى فطرته ووجدانه وكان صاحب صنعة مجيدًا، وأين لوي عنق الكلام ليتصنع ويتكلف.

وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات السابقة عن مقامات"بديع الزمان"وقفت عند الجانب الخارجي للمقامة، دون الغوص إلى أعماقها، فيما لم تقف أي دراسة وقفة متأنية عند الصنعة والتصنع في مقاماته ذاتها.

(1) - عبد الحميد، محمد محيي الدين، شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني، ص 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت