و يرى الدكتور زكي مبارك: أن يثبت أن مقامات بديع الزمان مشتقة من أحاديث ابن دريد وأن ابن دريد هذا كان راويا وعالما ولغويا وقد عنا برواية أحاديث من الأغراب وأهل الحضر [1] .
و لا ريب في أن بين أحاديث ابن دريد وبين المقامات شبها قويا من حيث القصص واستخدام السجع ولكن هناك أيضا فروقا كبيرة في الصناعة وفي العقدة وفي وجود بطل المقامات وهو المكدي وفي بناء المقامة على الكدية وعلى الهزأ من عقول الجماعات مع إظهار المقدرة في فنون العلم والأدب آلة ما هنالك من خصائص يتميز يها فن المقامات.
فهذا لا يعني أن بديع الزمان لم يطلع على أحاديث ابن دريد أو على ما روي من قصص وأحاديث ولكن الفرق بين ما روي عن العرب من أحاديث وبين المقامات من حيث الغاية والأسلوب كبير جدا.
و على كل فإن بديع الزمان لم يكن مبدع فن المقامات فإن مقاماته أقدم ما وصل إلينا من هذا الفن الأدبي الرائع ثم تبعه عدد كبير من الكتاب القدامى والمحدثين فكتبوا في هذا الفن من أبرزهم الزمخشري وجلال الدين السيوطي عن المشارقة والسرقسطي من الاندلسي اما المحدثين فأهمهم اليازجي والمويلحي.
فالغرض من المقامة هو التعليم ولهذا سماها بديع الزمان مقامة وليست قصة أو حكاية أما بعض الباحثين يرى أنها نوع من القصص إلا أنها ليست قصة بالمعنى الكامل إلا أنها تشتمل على عناصر قصصية من حيث الحوار والمضمون والتصوير لعناصر الشر والفساد وبالإضافة إلى احتوائها على كلمات لغوية جعلت من المقامة تتجه نحو البلاغة اللفظية إذ أن القصة ليست الأساس وإنما الأساس هو العرض الخارجي والحلية اللفظية لذا فإن بعض الأدباء اخذوا يبتكرون صورا جديدة للتعبير ولكن في حدود وغالبا ما تتصف المقامة بالشحاذة والكدية.
و في الآداب العالمية نجد المقامة مثل مقامة القاضي حميد الدين أبو بكر البلخي باللغة الفارسية وفي أوروبا وجود قصص ممثلات لبعض القصص الاسبانية بطلا واحدا اسمه بيكارون وهو يشبه من بعض الوجود أبو الفتح الاسكندري عند بديع الزمان وأبو زيد السروجي عند الحريري [2] .
(1) - المصدر السابق، ص 197
(2) - البستاني، أدباء العرب، ج 2، ص 428