الصفحة 16 من 27

المطلب الثالث

نبوءة وقوع معركة هرمجدّون ونهاية العالم

تقع نبؤة هرمجدّون (30) في آخر نبوءات البروتستانت، وهي إن لم تكن الأخيرةَ فهي قبل الأخيرة. وهذا الاختلاف في ترتيب وقوع النبوءات يُمليه الاختلاف الذي سبَقتْ الإشارةُ إليه عند الحديث عن مَذهبَيْ ما قبل الألفيّة وما بعد الألفية؛ فمنهم مَن يرى هذه المعركة سابقةً للحكم الألفيّ السعيد للسيد المسيح ومُقدَّمةً ضروريةً له، ومنهم من يراها أثرًا لازمًا يترتَّب على نزول المسيح وإقامته للمملكة الألفيّة وبدئه في محاربة الكُفار وإبادته لهم في معركة"هرمجدّون". وليسَ هناك وصفٌ تُوصفُ به هذه المعركة أدقَّ من وصف (الأسطورة) ، وهذا الوصف يشعرُ به وبمعناه الصحيح كلُّ مَنْ قرأ الأساطيرَ الإغريقيّة ومغامرات القادة الرومان والقادة اليونانيين القدماء؛ فالجوُّ المحيط بهذه المعركة الأسطورية (هرمجدّون) لا يختلفُ كثيرًا عن أجواء (إلياذة هوميروس) و (ملحمة جلجامش) وقصّة (حصان طروادة) وأسطورة (الأوديسّا) وما إلى ذلك من روايات الخيال والأساطير التي تأخذُ القارئ إلى عالمٍ لا ينتهي من الإثارة والتّشويق والخيال الذي لا يعرف الحدود ...

إنّ هذه المعركة بكلِّ تفاصيلها إنّما تقع في إطار ما يمكن تسميتهُ بـ (النثر التوراتي القصصّي المشوِّق) والذي نرى تصنيفه تحت عنوان (آداب اللغة وفنون التعبير) أصحَّ من تصنيفه تحت عنوان (العقائد) ، كيف لا ونحن نلحظُ بجلاءٍ ووضوحٍ أثناء قراءتنا لنصوص المعركة كيف تنهمرُ الأمطار وتذوب الصخور وتتساقط النيرانُ وتهتزُّ الأرض وتتساقط الجبالُ وتَنهار الصخُور وتتساقط الجُدران على الأرض ويَخرجُ الربُّ ويحارب الأمم َكما في يومِ حربه وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيّتون الذي قُدّام"أورشليم"من الشرق فينشق جبل الزيتون من وسطه نحو الشرق ونحو الغرب واديًا عظيمًا جدًا ... وهذه تكون الضربةُ التي يضربُ بها الربُّ كل الشعوب الذين تجنَّدُوا على"أوشليم"فيذوب لحمُهم وهم واقفون على أقدامهم، وعيونُهم تذوب في أوقابهم ولسانهم يذوب في فمهم.

ثم نرى أثناء قراءتنا لهذه المعركة كيف يدعو الربُ الطيورَ الطائرة في وسط السماء لتجتمع إلى عشاء الإله العظيم لكي تأكل لحومَ ملوكٍ ولحومَ قوّادٍ ولحومَ أقوياءٍ ولحومَ خيلٍ والجالسين عليها ولحومَ الكلَّ، حرًا وعبدًا وصغيرًا وكبيرًا، ثم يتمُّ القبضُ على الوحش والنبيّ الكذَّاب وطرحهما حَيْيَنْ إلى بحيرةِ النار المتَّقِدَةِ بالكبريت.

وحتّى تكتمل الصورةُ المسرحية لهذه"الملحمة"التي نُسبت إلى"حزقيال" (31) اليهودي تأتي إضافاتٌ مسيحيّةٌ ولمساتٌ فنّيةٌ يضيفُهَا عليها (يوحّنا اللاهوتي في رؤياه) لتكتمل هذه المشاهدُ وتنتهي بنهايةٍ سعيدةٍ، ينزلُ فيها البطل (السيد المسيح حسب اعتقاد"البروتستانت"، والمسيّا المخلِّص حسَب اعتقاد اليهود) ليأخذ بزمام الأمور فيقرّر أن يأتي بنفسه ليقود المعركة فينزلُ ليرفعَ أتباعه وكلَّ مَن آمَن به للسماء، ويتركُ الكافرين بألوهيّته لا تأخذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت