المطلب الأول
مملكة المسيح والمُلكُ الألفيُّ السَّعيد
تجدر الإشارة في بداية هذا المطلب إلى الملاحظات التالية:
أولًا: إنّ هذه النبوءة وبقيَّة النبوءات التي يتناولها هذا البحث تندرج، حسب تصنيف البروتستانت، تحت عنوان"العصمة"أي أنَها من المستحيل أن لا تتحقّق وتقعَ، وبالتالي فيجبُ الأخذُ بحرفِيَّتِها كما وردتْ في الكتاب المقدّس، ويجبُ تفسيرُها تفسيرًا حرفيًّا بكُلَّ حذافيرها على النحو الذي يروِّجُ له الأصوليّون البروتستانت وبالتالي فإنّ مجادلة هؤلاء ومناقشتهم فيها إنما هو ضربٌ من ضروب العَبَثِ وإضاعة الوقت.
ثانيًا: هذه النبؤة الثّانية إنّما هي مزيجٌ مركَّبٌ من مجموعةِ نبوءاتٍ هي (المجئ الثاني للمسيح ومن ثمَّ قيام حكمه في مملكته لمدّة ألف سنةٍ ومحاربته لقوى الشرّ مجتمعةً تحت راية المسيح الدجّال ومن ثمّ وقوع معركة هرمجدون وانتصار المسيح وأتباعه) .
ثالثًا: معظم هذه النبوءة مأخوذٌ من السفر الأخير للإنجيل والذي حمل عنوان"الرُّؤيا"ويُقصدُ بها الرؤيا التي"أَعْطَاهَا آللهُ لِيَسُوعَ آلْمَسِيحِ، لِيَكْشِفَ لِعبِيدِهِ عَنْ أُمُورٍ لاَبُدَّ أَنْ تَحْدُثَ عَنْ قَرِيبٍ. وَأَعْلَنَهَا آلْمَسِيحُ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا (1) عَنْ طَرِيقِ مَلاِكٍ أَرْسَلَهُ لِذَلِكَ. وَقَدْ شَهِدَ يُوحَنَّا بِكَلِمَةِ آللهِ وَبِشَهَادَةِ يَسُوع آلْمَسِيحِ، بِجَمِيعِ آلأْمُورِ آلَّتِي رَآهَا. طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ كِتَابَ آلنُّبُوءَةِ هذَا وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَهُ، فَيُرَاعُونَ مَا جَاءَ فِيهِ، لأَنَّ مَوْعِدَ إتْمَامِ آلنُّبُوءَةِ قَدِ آقْتَرَبَ!" (2)
ويطالعنا كاتبُ هذه"الرؤيا"بمشهدٍ باهرٍ يظهُر فيه المسيحُ مُمَجَّدًا، ثم يُدَوِّنُ الرسائل التي أمره بإبلاغها إلى الكنائس السبع. وبعد ذلك تتوالى الإعلاناتُ المتعلّقةُ بما سيحدثُ في آخر الزمان من ضِيقاتٍ وبلايا وأحداثٍ رهيبةٍ، وحروبٍ تنتهي بهزيمة"إبليس"وجُندهِ، وتطهير الأرض من الأشرار ليملكَ المسيحُ مدة ألف سنةٍ. ثم يُنهي الكاتبُ رؤياه بوصف قيامة الأشرار للدينونة أمام العرش العظيم الأبيض في اليوم الأخير، وينتهي إلى وصف الحالة الأبديَّة حيث يتمُّ النصرُ لله وللمسيح في السماء الجديدة والأرض الجديدة، إذ يتحقَّقُ الخلاصُ النهائيُّ للمؤمنين.
رابعًا: هناك اختلافاتٌ بين المعتقِدِين بهذه الرؤيا في ترتيب وقوع أحداثها وبالذات في مسألة نزول المسيح؛ هل يكون نزولُهُ بعد بناء المؤمنين به لملكٍ مسيحيٍّ أرضيٍ يستمر ألف عامٍ؟ أم أنّ نزول المسيح يكون ليبدأ بنفسه إقامة مملكته الأرضيّة لمدّة ألف عام (3) ؟، ومدى دور العُنصر الإلهي في التخطيط لحدوث ذلك. ممّا أدى إلى نشوء طوائف ومعتقَداتٍ مختلفةٍ حول هذه التفاصيل حَمَلَت مسمَياتٍ منها (الألفّيون التدبيريون، والحقبائيون"أصحاب مذهب ما قبل الألفية"وأصحاب مذهب ما بعد الألفيّة) وهذه تقسيماتٌ سيأتي ذكرها بعد سرد نصوص ومستندات هذه الرؤيا ومضمونها بعونه تعالى.