الصفحة 21 من 30

وضابط ذلك بعد تسليم صحة السند، أن ينظر في المتن ويفحصه، فإن اشتمل على ذكر ما لا يتلاءم مع سياق التاريخ، فلا يتّجه حملُه عليه والحال هذه، والقول بأنه موضوع لأسباب سياسية وتاريخية، أو محمول على عصر أو شخص معينين.

وذلك كالأخبار الواردة في السفياني والرايات السود، فإن في بعضها أن السفياني يغزو بيت المقدس، وفيه أيضًا أن اسمه عروة، وغير ذلك، وهذا لا يستقيم معه القول بأن واضعها من دعاة العباسيين الذين قصدوا الطعن على السفياني الأموي الذي خرج على دولتهم! فإن هذا بالمدح أشبه منه بالذم، فضلًا عن كونه لم يقع أصلًا.!

ونظيره دعوى أبي العباس الغماري في (جؤنة العطار) [1/ 128] تبعًا للشيخ علي الأسيوطي أن أحاديث السفياني تحريف من الرواة، وإنما هو بالتاء (السفيات) نسبة إلى الروس السفيات، ودولتهم العظمى.!

وهكذا القول في أحاديث الرايات السود المرفوعة الصحيحة، فإن فيها من المعاني الواردة في متونها ما لا يتأتى معه حملها على دولة بني العباس كما يأتي، ولا سيما أن الواقع التاريخي للدولة العباسية يأباه، وليس فيه ما يطابق منصوص أحاديث الرايات السود إلا أن راياتهم كذلك.

والأخبار الواردة في ظهور الرايات السود تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: لا يصح وهو الوارد في خروج رايات بني العباس، وظهور دولتهم، وفي بعضها التصريح بأن فيهم السفاح والمنصور والمهدي، وقد ذكرها أبو الفرج بن الجوزي وغيره ممن صنَّف في جمع الموضوعات والأخبار الواهية.

القسم الثاني: صحيح وهي هذه الأحاديث والآثار التي مرّ تخريجها، وقد تنازع الناس فيها، فذهب بعضهم إلى حملها على خلافة العباسيين، وأنها المراد منها كما بوّب عليه نُعيم في كتابه الذي صنّفه في الفتن، والبيهقي في (دلائل النبوة) [6/ 513] وذكره الحافظ ابن كثير في (تاريخه) [6/ 247] وغيرهم، وعليه بعض الكُتَّاب المعاصرين كما مر.

وذكره مُصنّف كتاب (أخبار الدولة العباسية) [245] في باب (ذكر السواد) وأن دعاتهم أمروهم بالسواد لأمور منها أن راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت سوداء يقال لها العقاب، وكذا راية علي يوم صفين كانت سوداء، وفيها يقول القائل:

لمَنْ رايةٌ سوداءُ يخفقُ ظلُّها = إذا قيل قدّمها يزيدٌ تقدّما

ومنها أن شعار داود عليه السلام وأصحابه ولباسهم وراياتهم يوم لقي جالوت كان السواد، ومنها أنه كان عندهم خبر عن آل البيت بظهور الرايات السود في دولتهم، ومنها وهو الأهم هذا الخبر الوارد عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت