الصفحة 30 من 30

لطيفة: اتصل بي حال تحرير هذه الأوراق، إمامُ مسجد من روسيا، ممن كان يطلب العلم بالأزهر وتخرّج فيه، وأعلمني أن نزاعًا نشب بين طلاب العلم هناك، يتعلّق بخروج المهدي، وأن رجلًا ممن انتدب للقتال في الملاحم الواقعة اليوم بالعراق والشام، خرج فيهم يزعم أنه المهدي! وأن الرايات السود التي تخرج لنُصرته هي هذه الرايات المرفوعة اليوم هناك! وأن الشبهة به قد تمكنَتْ من قلوب بعض الشباب فافتتنوا، وشرعوا في الدعوة لتأييده في المساجد، وأخذ البيعة له هناك.!

فأعلمتُه أن هذه الرايات التي بالعراق والشام اليوم، ليست هي الرايات السود التي تخرج مع المهدي بيقين، وأنه لم يأت بعدُ زمان خروجه، وأنه إن قُدّر له أن يخرج، فإنما يكون مبدأُ خروجه من الحجاز لا من العراق والشام، بعد أن يعوذ بالبيت من قوم يطلبونَه، حيث يبايع له هناك بين الركن والمقام، ثم يكون ظهوره بعد ذلك بالمشرق كما ورد في الآثار، وتخرج الرايات السود بعد ذلك لنُصرته، ولا يكون خروجُها قبلَه.

وأيضًا فإن من علامة المهدي أن لا يطلب الحكمَ والملكَ لنفسه، ولا يأخذ البيعةَ له، وإنما يُبايع له وهو كاره كما في الأخبار الصحيحة، وبه يُعلم أن كل من قام وادعى المهدوية لنفسه فهو كاذب ولابد.

وأيضًا فإنه إذا خرج اجتمع الكافةُ من أهل العلم والفضل على نُصرته وتأييده، كما قال القاضي حفص بن غياث لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله: قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: (إن مرَّ المهديُّ على بابك، فلا تكن منه في شيء، حتى يجتمع الناسُ عليه) يريد: أهلَ العلم، ذكره الحافظ أبو عبد الله الذهبي في ترجمته من (النبلاء) [7/ 253] .

وأما ما رواه أبو بكر بن المقرئ في (معجمه) [90] وابن عدي في (الكامل) [6/ 516] عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: (يخرج المهدي من قرية باليمن يقال لها كَرِعَة) فهو خبر منكر سندًا ومتنًا، تفرد به عبد الوهاب بن الضحاك الحمصي وهو متروك، وهو مخالف لما في الأحاديث الثابتة التي أخبرت بأنه إنما يخرج من مكة شرّفها الله.

ومن غرائب ما اتفق لي في الرحلة، أني لقيتُ بصنعاءَ رجلًا ذا هيئة، ولا أقول ذا هيبة، أبيض منوّر الوجه، له لحية سوداء طويلة تضرب إلى سُرّته، ويعتمّ بعمامة بيضاء، وعليه ثوب ورداء أبيضان، في وسطهما جوخ أخضر، وهو يحمل بيده عصا غريبة، ومسبحةً طويلة، وشنطةً دبلوماسية.!

رأيتُه في (الباص) فلم أظفر بالحديث معه، ثم رأيتُه بعد مدة جالسًا في مقهى، فجلستُ إليه وسألته: أمن أهل الدعوة أنت؟ فأومأ برأسه أن لا. قلتُ: فمن أهل العلم؟ فانتبه واعتدل في جلسته وقال: أنا المهدي.! فقلتُ له: وماذا تفعل هنا.؟ فقال: أنا المهدي، ويوشك أن يؤذن لي بالخروج فأخرج، وأصلح من حال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت