فهرس الكتاب
الرايات السود التي جاءت بها الأخبار، والتي تقوم مع المهدي لنُصرته وتأييده، لما مرَّ تحقيقه، بل هي من قبيل قول الشاعر:
فتشبَّهوا إنْ لم تكونوا مثلَهم = إن التَّشبّهَ بالكرام فلاحُ
فقول القائل إن هذه الرايات السود اليوم، هي بعينها التي وقعت في أثر علي والأخبار المرفوعة، تحكمٌ لا دليل عليه، ولا موقع له من النصوص بوجه، لما علم من أن الرايات السود التي جاء بها الحديث، لا تظهر إلا عقب ظهور المهدي عليه السلام، لأنها إنما تظهر لنُصرته والقتال تحت رايته، ولأن مجموع الأخبار الواردة في الرايات السود يدل على أن منها رايات جور وظلم، كما مرّ.
وأما تأويله قول علي بتقدير صحته: (لا يفون بعهد ولا ميثاق) بأن المراد: العهود والمواثيق الدولية، فهو محتمل، لكنْ ظاهر الأخبار الواردة في الرايات السود يدفعه، ولاسيما خبر علي رضي الله عنه، فإنه وارد في سياق الذم لا المدح، بدليل أن فيه الأمر باعتزالهم.
وفيه أنهم (يدعون إلى الحق وليسوا من أهله) والحق: الخلافة، وهو صريح في ذمهم.
وفيه أنهم يختلفون فيما بينهم، وهذا أيضًا ظاهر جدًا في ذمّهم، ولا يحتاج معه إلى تكلف تأويله بما ذكر من أن الاختلاف المذكور في حديث الرايات، إنما هو الاختلاف بينهم في تعيين الأقرب نسبًا منهم الذي يلي الخلافة، فهذا ظاهر الفساد، لأن سياق الخبر يقتضي أنه اختلاف مذموم يفضي إلى النزاع والفرقة فيما بينهم، بدليل قوله (ثم يؤتي الله الحق من يشاء) فدلّ على أن الحق ليس فيهم.
وأيضًا فإن الخليفة الذي هو المهدي لا نعلم أنه يقع نزاع واختلاف فيه إذا ظهر، بل يجمع الله الناس على بيعته، ويُلقي في قلوبهم محبته ومعرفة صفته وحليته، بما لا يقع معه نزاع أصلًا، وأيضًا فإن الرايات السود تعرفه ولا تختلف عليه، لأنهم إنما يخرجون بعقبه لنُصرته، بعد أن يكون هو قد خرج واشتهر أمره وبلغهم خبره.
وأيضًا فقد ذكر فيه أنهم يختلفون فيما بينهم ويتفرّقون، وهذا ذمٌّ لهم، وقد ظهر هذا الاختلاف بين أصحاب الرايات السود اليوم، وافترقوا فيما بينهم حتى اقتتلوا وكفّر بعضهم بعضًا، مما يدل على أنهم ليسوا المقصودين بالحديث، ولا راياتهم السود هي الرايات التي ذُكرت فيه.
وعليه فليس هو بيقين في رايات المهدي السود، بل هو كما قررنا في رايات سود غيرها، تطلب الحكم والملك لنفسها، كرايات العباسيين، وإنما غلط في هذا من غلط، لتوهمه أن الرايات السود نوع واحد في الأحاديث، وليس الأمر على ما ظنَّه وتوهمَه، كما تقدم شرحه مبسوطًا.