تارة وبالحزن تارة، وبالبكاء تارة، وبالحسرة تارة، فقد فرغ المسجد من الناس، ولم يَعُد فيه أحد سوى الإمام الذي كان آخر الخارجين وكاتب المقال، حينها توجَّه الطفل تلقائي آيسًا من المساعدة، فوقعت عينا الإمام في عيني، ثم أشار لي بأنه لا يستطيع مساعدته، وفوَّض أمر الطفل لي، حينها رمى الطفلُ بتلك الكلمة لي، لعله أن يؤدي ما عليه! فقال: أمي تريد أن تُكلِّمك)، قلت: وأين هي؟ قال: وراء المسجد عند مصلى النساء، حينها ترجَّلت من الخور، وانطلقت معه حتى فوجئت بامرأة متحجِّبة معها رضيع وفتاة صغيرة دون العشر سنوات، وأخرى كبيرة محجَّبة، فظننتُهم في البداية يرُيدون عرْض مسائل لهم أو شكوى أو غير ذلك، وإذ بي أتفاجأ من المرأة (أمهم) تقول: يا شيخ معي أطفالي أيتام، وها أنت ترانا في حاجة إذا جاءك أرز أو حب أو بُر أو أجهزة كهربائية أو بطانيات فأعطِنا منها، حينها صُعِقتُ حيث أشكال الأطفال لا تَنُم عن فقر وعِوَز، سوى أنه لا عائل لهم، وتلك الفترة كنتُ مديرًا لمركز بناء الأيتام التربوي بذات المحافظة، وأعلم جيدًا أن جمعية رعاية الأيتام (آباء) لن تدَّخِر جهدًا في تقديم المساعدة للمسجلين بها، فبادرتها عاجلًا قلت: لمَ لمْ تذهبي للجمعية، وأنا سأوصلكم لها، وأبشري فيما طلبتِ؟ فتعذَّرتْ وحاولت التعذر بأعذار لم أفهمها، قلت: الجمعية أفضل لكم، ولها برامج ومشاريع تَهتمُّ بالأيتام وبالأسر التي لا عائل لها، حينها تَمتمتْ بكلمات أرادت أن تُخرِجها وأجهشت بالبكاء، ثم حبستْ أنفاسَها لحظات، تريد خفضَ صوتها، وبدأ أبناؤها يلحظونها بأبصارهم، ويحاولون أن يُلملِموا الموقفَ، ولكني صمَّمت على أن تُبدي لي ما لديها، فقالت: سأخبرك، ولكن ... قلت: لكن ماذا؟ قالت: لكني خائفة، قلت: لا تخافي إلا من ربك، هاتي ما لديكِ، قالت: أنا وأبنائي لدينا والله الملايين ولكنها حبيسة البنوك!! هل تعرف فلانًا؟ (أحد تجار المحافظة الكبار مات تلك الفترة قبيل لقائي بالمرأة بأشهر) ، قلت: نعم، أعرفه - رحمه الله - قالت: أنا أرملته وهؤلاء أبناؤه!! حينها دُهِشت، واستحلفتها بالله هل تَصدُقين؟ قالت: نعم، وقد أخذ المال وحجَر عليه ابنه الأكبر، ومنَع ولايتي على أبنائي، ورفعت أمره للمحكمة والجهات الحكومية وبعض أهله، ولكن هذا لم يُفِد، وقد حرَمنا من مال