الصفحة 11 من 20

4 - {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} [الضحى: 9] : خصَّص الله هذا العنصر المهم من المجتمع في أكثر من آية، ولا سيما هذه الآية العظيمة المعنى العميقة الدَّلالة، هذا اليتيم الذي افتقد إما ذلكم الأب الذي يقوم على حاجاته ويتفهَّم ضروراتِه، ويدافع عن حقوقه، أو تلكم الأم التي تُغذِّيه بالحنان، وتُدفئه بالعاطفة، وتُظِلُّه بالعناية الوارفة، تعلو كلماتها الرحمة، وينساب من حزْمها الشفقة؛ لذا فاليتيم حين يَفقِد أحدَ هذين الموردين المهمين في حياته فإن دواعي ظُلْمه ومَقْته والجفاف معه ستزيد، وخاصة في المجتمعات التي جفَّت ضمائرها، واضمحلَّ الإيمان في مُهَجِها، وقد اختلف العلماء مَن هو اليتيم؟ هل هو مَن فقد أباه أو أمه، والحق أن اليتيم مَن فقَد أحدهما أو كلاهما، بل حتى اللقيط في الجملة فهو أحد الأيتام. قال ابن سعدي: لا تُسئ معاملةَ اليتيم، ولا تُضيِّق صدرَك عليه، ولا تنهره، بل أَكْرِمه، وأعطه ما تيسَّر، واصنع به كما تحب أن يُصنَع بولدك من بعدك [1] ، وقالوا: قَهْر اليتيم: أخْذ ماله وظُلْمه، وقيل: هو بمعنى عبوسة الوجه، والمعنى أعم، كما قال - صلى الله عليه وسلم عند أبي داود: (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن ومن العَجِز والكسل، ومن الجُبْن والبخل، ومن غَلبة الدين وقَهْر الرجال ) )، فالقهر أعم من ذلك، وخصَّ اليتيم؛ لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلَّظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه [2] .

ولا أنسَ ذلكم المشهدَ الذي لا زال عالقًا في ذهني دون أن تذهب تفاصيلُه وجزئياته، مشهد تخلَّى عن الإنسانية والرحمة والإسلام، صليتُ ذات يومٍ في مسجد في أحد الأحياء المجاورة لمنزلي قبيل رمضان بيوم أو يومين، وحين فرغتُ من الصلاة وهممتُ بالخروج، رأيتُ طفلًا ذا خمس أو أربع سنوات يترجَّى الناس عند باب المسجد يقول:"أين إمام المسجد؟ أمي تريد أن تُكلِّمه!"، وهكذا ظل عائمًا حتى مرَّ به إمام المسجد والمشهد أمام ناظِري وترجَّاه الطفل أن يُكلِّم أمه عند مصلى النساء، ولكن الإمام ارتَبَك واعتذر، ولي به معرفة سابقة، حينها تردَّدت أنظار الطفل وهي مليئة بالإحباط

(1) "تيسير الكريم الرحمن".

(2) "الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت