6 -ولا يمنع هذا وليَّ اليتيم إن كان فقيرًا أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف؛ لقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6] ، وهذا التجويز لمصلحة اليتيم فلا يطمع الوليُّ في ماله.
7 -قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 8 - 12] ، قال القرطبي: أي يُطعِمون الطعامَ على قلته وحبهم إياه وشهوتهم له، وكان الربيع بن خثيم إذا جاءه السائل قال: أَطعِموه سكرًا، فإن الربيعَ يُحب السكر، وروى منصور عن الحسن أن يتيمًا كان يَحضُر طعامَ ابن عمر، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم يجده، وجاءه بعد ما فرغ ابن عمر من طعامه فلم يجد الطعام، فدعا له بسويق وعسل فقال: دونك هذا، فوالله ما غبَنتَ [1] .
8 -قال تعالى: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} [الفجر: 17] ، يقول سيد: وقد كان الإسلام يُواجِه في مكة حالة من التكالب على جمْع المال بكافة الطرق، تُورِث القلوبَ كزازة وقساوة، وكان ضعف اليتامى مغريًا بانتهاب أموالهم وبخاصة الإناث منهم في صور شتى، وبخاصة فيما يتعلَّق بالميراث، كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام، وهي سمة الجاهليات في كل زمان ومكان حتى الآن، وفي هذه الآيات فوق الكشف عن واقع نفوسهم، تنديدٌ بهذا الواقع، وردْع عنه، يتمثَّل في تَكرار كلمة (كلا) .
9 -ولقد تنزَّلت في حقِّ اليتيم الآيات في أوائل ما تَنزَّل من القرآن المكي؛ كقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 1 - 3] ، ومفهوم الآيتين المباركتين، أن الذي يَطرُد اليتيم، ويَحرِم اليتيمَ حقَّه، هذا هو الذي يُكذِّب بالدِّين؛ تعبيرًا عن الترابط العميق
(1) "الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي.