طريق عبدالرزاق عن معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه سلم: (( ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النَّفْس ) ).
وفي صحيح مسلم، عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( قد أفلح مَن أسلم، ورُزِق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه ) ).
وأقول: كم مَن شقيٍّ في الدنيا حرَم نفسه استشعار نِعَم الله عليه، أو جزَع من نزول الأقدار عليه - نسأل الله السلامةَ!
وهنا منهج رباني لكل من لمَس في نفسه اعتراضًا أو جزعًا، فليُعدِّد تلك النِّعم التي لا تُحصى، والهبات التي لا تُعَد، ثم يَنسِبها لربه، ويَشكُره ويَحمَده عليها، ولكنه الإنسان ظلوم جهول جزوع، يَفزع من الشر يُصيبه، وتُنسيه النِّعمُ شُكْرَ ربه؛ {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 - 21] ، والمصيبة العظمى عند مَن نزلت عليه الهِبات والعطايا والنِّعم فبات يَدَّعي فضلَها لنفسه، وينفي فضلَ الله عليه ورزقه له، فهذ قارون عصره، وكلامه هو الكفر بعينه: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78] ، والصواب أن يكون الإنسان بين منزلة الشكر والحمد، شاكرًا في السراء، صابرًا في الضراء، ومَن شكَر فهو موعود بالزيادة {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] .
وأخيرًا،"تأمَّل قول الحقِّ ولم يقل: فآواك، فأغناك؛ لأنه لو قال ذلك لصار الخطاب خاصًّا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس الأمر كذلك، فإن الله آواه وآوى به، وهداه وهدى به، وأغناه وأغنى به" [1] ، قال الله تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} [الفتح: 20] ، وما أكثر ما غَنِم المسلمون من الكفار تحت ظلال السيوف، غنائم عظيمة كثيرة كلها بسبب هذا الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - حين اهتدوا بهديه، واتَّبَعوا سُنَّتَه فنصرهم الله تعالى به، وغَنِموا من مشارق الأرض
(1) "تعليق على القواعد الحسان"؛ لابن عثيمين (ص: 52) .