الصفحة 4 من 35

وقد أدَّى ذلك إلى الاقتصار على الدعوة إلى تحقيقِ نوعٍ من الوحدة الفيدرالية - أو الكونفدرالية - بين الدول الإسلامية، في شكل رابطة رُوحية تربط بين الشعوب الإسلامية؛ كالجامعة الإسلامية وخلافها.

كما أدَّت سيادة القوانين الغربية - من ناحية أخرى - إما إلى الدعوة إلى ربط تطبيق الأحكام بسيادة الدولة، ومن ثَمَّ المناداة بنظام فيدرالي يمنح الدولة مرونة كافية في تطبيق الأحكام على رعاياها، بصرف النظر عن موافقتها للإسلام، أو الادعاء بعدم إمكانية تطبيق أحكام الإسلام أصلًا؛ حيث أشار عبدالحميد متولي في معرض حديثه عن استحالة إقامة نظام الخلافة في العصر الحديث؛ لتعارُضه مع مبدأ (نفي الحرج) إلى"أن من مهام الخليفة العمل على تنفيذ الواجبات الشرعية، وفي مقدمتها إقامة الحدود: (حد السرقة، وحد الزنا ... إلخ) ، كل ذلك يعد في هذا العصر .. من ضروب المحال .."؛ (متولي، 1978: 162) .

يسعى البحث - بهدف نقضِ أُسُس ومنطلقات فكرِ التجزئة السياسية المعاصر ومسوِّغاته - إلى تحديدِ شكل الدولة الإسلامية، مستندًا في ذلك إلى الأدلة الشرعية المبيِّنة لنموذج الدولة، والمؤكِّدة على أن دولة دار الإسلام دولة موحَّدة أولًا، ويرأسها إمام واحد لجميع المسلمين ثانيًا، كما يهدف البحث كذلك إلى دراسة تطبيق الأحكام في الدولة الإسلامية، ومدى سَرَيان الأحكام الشرعية من حيث المكان والأشخاص، وكيفية تنفيذ الأحكام الشرعية من قِبَل الدولة، مع تحليل للنظريات المختلفة التي تناولت تطبيق الأحكام في الدولة الإسلامية.

وتعود أهميةُ دراسة تطبيق الأحكام في دار الإسلام إلى ما يترتَّب على تطبيق الأحكام من تحديدٍ لنموذج الدولة وسيادتها، ومدى سلطانها على رعاياها، وعلى الأقاليم الخاضعة لها، والاستدلال من ذلك على عدم جواز"تجزئة الشريعة"بتطبيق بعض الأحكام على بعض الأقاليم، واستثناء غيرها من منطلق فيدرالية الدولة، أو استثناء رعايا الدولة من الأحكام الشرعية - كالذمِّيين وغيرهم - بدون دليل شرعي، كما يزعم مَن يرى عدم تطبيق أحكام الشرع على غير المسلمين المقيمين في دار الإسلام بحجَّة تعارُض تطبيق الشريعة مع الأسس الديموقراطية للحكم.

وتجدر الإشارة إلى أن البحث لا يُعنَى بدراسة الواقع السياسي المعاصر دراسة"إمبيريقية"، بهدف تحليل الظواهر السياسية المعاصرة، وإنما يقدِّم نظرة تجريدية تتجاوز الواقع المعاصر إلى ما يجب أن يكون عليه الواقع؛ وذلك في محاولة لبناء إطار نظري يعوَّل عليه في قيام واقع فكري وعملي جديد، ولا يتضمن البحث تحليلًا لكيفية إزالة أو معالجة التجزئة السياسية المعاصرة؛ ولذلك لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت