الصفحة 13 من 35

نموذج الدولة الفيدرالية جوهريًّا لنموذج الحكم الشرعي المترتب على البيعة؛ حيث إن رئيس الدولة الفيدرالية مقيَّد دستوريًّا بصلاحيات تمنعُه من التدخل في شؤون الولايات، كما تخضع الصلاحيات في تحديد لآراء الهيئة التشريعية وممثلي الأمة.

ثالثًا: الطاعة الشرعية أمرٌ ملازم للبيعة؛ ذلك أن مقتضى البَيْعة هو السمع والطاعة للإمام في كل ما يقوم به تحكيمًا لكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فالإمام يطاع بحسب ما فصَّل الفقه الإسلامي في اجتهاده، سواء في تبني الأحكام؛ حيث نص الفقهاء على أن أمر الإمام"يرفع الخلاف"، أو في اجتهاده في توزيع الثروات في الدولة بحسب الحاجة وما تقتضيه مصلحة الأمة، إلى غير ذلك من اجتهادات.

ويوضِّح ما سبق تناقض مفهوم الطاعة الشرعي مع النموذج الفيدرالي الذي يقرُّ اختلاف الأحكام باختلاف الولايات، كما يُعطِي استقلالية لكل ولاية في تنظيم شؤونها الاقتصادية، واستغلال ثرواتها، وإثراء شعبها، أضف إلى ذلك أن طاعة الإمام واجبة شرعًا في كل ما وافق الشرع، فقيدها الوحيد موافقة الشرع.

"اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، ولا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره"؛ (ابن خلدون، 1978: 209) .

يظهر مما سبق جليًّا أن هناك إشكالية كبرى تواجه القائلين بأن النظام السياسي الإسلامي يتَّفق مع فيدرالية الدولة؛ حيث إن مفهوم الطاعة وإنابة السلطان الناجمين عن البيعة الشرعية لا يمكن المواءمة بينهما بحال مع المفاهيم والممارسات السياسية في النظام الفيدرالي.

ومما يؤكد أن الدولة الشرعية ينبغي أن تكون دولة واحدة موحدة، اقتران تحقق شرعية السلطة بقيام الحكم على مرتكزات وأُطُر تنبثق عن الإسلام، وهو ما يطلق عليه (باتباع الشرع الإسلامي) ؛ حيث إن الحاكم المسلم لا بدَّ وأن يلتزمَ بأحكام الإسلام في الممارسات والأنظمة والأحكام الدستورية، ويَحْرمُ عليه الخروج على الكتاب والسنة، ودلَّ الكتاب والسنة والإجماع على أن الإمام ملزَم بما ورد فيها من أحكام شرعية وعقائد ثابتة، وصلاحيته لا تتعدَّى تنفيذ أوامر الله ونواهيه، أما ما لم يَرِدْ فيه نصٌّ فيجوز له فيه تبنِّي أحكام تخالف الإسلام قطعًا؛ (دبوس، بدون تاريخ: 42) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت