الصفحة 14 من 35

وبناء نموذج الحكم على القواعد الفيدرالية أو الكونفدرالية، فضلًا عن انطلاقه من عقائد فكرية مخالفة للإسلام، يناقض أيضًا أسس النموذج الشرعي للحكم الإسلامي، والذي يجعل السيادةَ للشرع والحاكمية لله - تعالى - ويلزم بكون الإمام واحدًا، كما أن الأهداف الكبرى للنظام السياسي الإسلامي، والتي تتمثل في السعي نحو توحيد الأمم والشعوب، وتشكيل الحياة بجوانبها المختلفة وَفْق المفاهيم الشرعية؛ ليكون الدين كله لله - لا يمكن تحقيقها في ظل نظام فيدرالي يحرصُ على المحافظة على كينونة القوميات وخصائصها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

كما يخالف نموذجُ الدولة الفيدرالية جوهريًّا النموذجَ الإسلامي للحكم في تفصيلاته؛ حيث يسمح النظام الفيدرالي، كما سبق بيانه، بازدواج السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويسمح بقيام قوانين خاصة قد تعارضُ قواعدَ شرعية متبنَّاة في ولايات أخرى بموجب الدستور الداخلي للولاية، كما يُجِيز النظام الفيدرالي أيضًا قيامَ حكم منتخَب من قِبَل شعب الولاية، وبغض النظر عن موافقة الرئيس الفيدرالي عليه أو لا، ذلك ليس من اختصاصه أصلًا، كما لا يجوز وَفْقًا للنظام الفيدرالي تدخُّل رئيس الدولة في شؤون الولاية الداخلية، وهذا مخالف للنظرية السياسية الإسلامية التي تجعل البيعة لإمام واحد فقط، وتؤكِّد قيام الإمام بتعيين الولاة وعزلهم، ومراقبتهم ومحاسبتهم؛ كما ثبت من سيرة الرسول - عليه السلام - وخلفائه الراشدين من بعده.

كما يحرِّم الإسلام ازدواج الولاء الذي يقوم عليه النموذج الفيدرالي الذي يسمح بانتخاب حاكم ولاية مستقل عن رئيس الدولة؛ حيث يؤكد النموذج الإسلامي وجوب الولاء لإمام واحد، وبذلك تُصِبح طاعة أمراء الأقاليم نابعة من طاعة الإمام الشرعي، وليست مستقلة عنه كما في النموذج الفيدرالي، وتبرز أهمية منع ازدواج الولاء في الدولة أيضًا من كون وحدة المقولة الإسلامية تُتِيح للإمام فرصة تسخير ثرواتها لخدمة أهداف الدولة، المتمثلة في تطبيق أحكام الإسلام، وحمل الدعوة إلى الأمم والشعوب، مما يحتم - خلافًا للنظام الفيدرالي - إلزامَ جميع رعايا الدولة بقوانين موحَّدة تسري على جميع أقاليم الدولة الخاضعة لسلطانها، كما سيجري بيان أدلته الشرعية لاحقًا.

ولذلك يظهر أن وضع نماذجَ غيرِ شرعية للدولة نحو النموذج الفيدرالي أو نماذج تركز التجزئة السياسية، من منطلق الواقع - يعدُّ تبنيًا لأحكام غير شرعية، ويستلزم بالضرورة خروجَ الحكم عن الإطار الشرعي للحكم الإسلامي، وانتفاء صفة الشرعية عنه، ويترتب على ذلك عدم طاعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت