وبعد:
فاعلم - رحمك الله - أن الأحاديث التي ذكرناه جاءتْ تدل على مدة الرباط، وهذه المدة قد تكون يومًا، أو ثلاثةً، أو أربعين يومًا، ولكن ما أوردناه من أحاديث لا يصلح كحجة؛ لأنها كلها ضعيفة لا ترفع بها رأسًا، ولذا فإن أكثر أقوال العلماء على أن الرباط ليس له مدة محددة - على الصحيح - وإنما جاءتْ أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الصحيحة السابقة الذكر في بابَي فضل الرباط ومكانته من قبيل بيانِ المدة المؤثِّرة في الرباط، فمَن رابط يومًا أو ليلة؛ فمن ناحية تأثير هذا اليوم أو الليلة في نفسه، أو في مَن معه من المسلمين، أو في عدوه، وهذا الكلام ينطبق أيضًا على مَن رابط ساعة فوق ناقة.
وأما ذكر المرابطة لمدة أربعين يومًا، فهي لبيان الكمال والتمام المستحب في الإقامة، وإلا فإن الرجل يستطيع أن يرابط عمره كله في الثغر، ويستمر مع ذلك في نَيل الأجر والثواب، وإليك بعض أقوال العلماء في هذا الشأن:
قال في الفتح [1] : في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( رباط يوم في سبيل الله. . . ) )الحديث: وأما التقييد باليوم في الترجمة وإطلاقه في الآية - يقصد: {وَرَابِطُوا} - فكأنه أشار إلى أن مطلقها يقيد بالحديث؛ فإنه يشعر بأن أقل الرباط يوم، لسياقه في مقام المبالغة، وذكره مع موضع سوط يشير إلى ذلك؛ انتهى.
(1) فتح الباري - ابن حجر - ج 6/ 86 ح 2734.