-تعالى- يذكر نفسه بلفظ الجمع كما في قوله: {نَحْنُ قَسَمْنَا} [1] والجمع يذكره من يعظم نفسه عن نفسه {نَحْنُ قَسَمْنَا} [2] {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} [3] {بِأَعْيُنِنَا} [4] فقوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [5] {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} [6] أي: ذكر الجمع لمناسبة ضمير الجمع، فهذا هو إثبات هذه الصفات.
كذلك صفة المشيئة، يتكرر إسناد المشيئة إلى الله -تعالى- في الآيات وفي الأحاديث، ثبت أنه عليه السلام قال في الدعاء: " ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن " ودليل ذلك من القرآن {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [7] {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [8] ولا شك أن الله -تعالى- قد أعطى العباد مشيئة تناسبهم، ولكن مشيئتهم مرتبطة بمشيئة الله، فلا يشاءون إلا ما شاءه الله أثبت لهم المشيئة {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) } [9] ثم ربط مشيئتهم بمشيئته {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [10] .
ومن هنا نعرف أن مشيئة الله -تعالى- غالبة لمشيئة العبد، أن العبد له مشيئة تناسبه؛ ذلك أن الله أعطاه قوة يزاول بها الأعمال، وتنسب إليه سواء كانت أعمالًا بدنية، أو أعمالًا قلبية، أو أعمالًا قولية، فإنها تنسب إليه كما نسب الله -تعالى- بعض الأقوال إلى أصحابها نسب الله قوله عن فرعون قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) } [11] {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [12] لو شاء الله -تعالى- لأخرس لسانه، ولم ينطق بهذه الكلمة، وكذلك النمرود الذي قال: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [13] لو شاء الله لأعجمه، وحال بينه وبين أن ينطق بهذه الكلمة الكفرية، ولكن الله -تعالى- مكَّنه فالكلمة تنسب إليه، ويعاقب عليها، ويحاسب عليها، وهي داخلة تحت مشيئة الله -تعالى- هو الذي مكنه، وهو الذي أقدره على ذلك، وتنسب الأفعال إلى العباد؛ لأنهم مصدرها.
وكذلك الأعمال الصالحة تنسب إليهم؛ لأنهم هم الذين باشروها، ولو كانت متوقف وجودها على إرادة الله -تعالى- وعلى قدرته ومشيئته، يقول الله -تعالى-: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [14] يعني: لو شاء مشيئة قدرية لآمنوا {لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [15] لو شاء لاهتدوا كلهم، ولكن حكمته اقتضت أن يكون منهم برٌّ وفاجر، مؤمن وكافر، وذلك كله خاضع لإرادة الله -تعالى-، حيث خلق دارين، الجنة والنار، وجعل لكل منهما أهلًا، فلو أنه سبحانه أعطى كل نفس هداها، وهدى الناس كلهم لما كان هناك فرق بين المؤمن والكافر، ولما كان هناك جنة ونار، لكن من حكمته أنه جعل هذا ميله إلى الكفر، وهذا ميله إلى الإسلام فمكن لهؤلاء، ومكن لهؤلاء، وإلا فإنه سبحانه قادر على أن يقبل بقلوبهم {إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) } [16] إذا شاء الله -تعالى- خضعوا وأقبلوا كلهم، وأنابوا إلى ربهم، ولكن حكمة الله -تعالى- اقتضت أن يكونوا قسمين، وأن يكونوا في الآخرة فريقين، فريق في الجنة، وفريق في السعير، مع أن الحجة لله عليهم.
فإذا قالوا: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [17] فالجواب: إن الله أعطاكم قدرة ومشيئة تناسبكم، تقدرون بها على أن تطعموا من تريدون إطعامه، وإذا قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [18] فالجواب أن نقول: مشيئة الله نافذة، ولكن هو -سبحانه- قد مكنكم وأعطاكم هذه المشيئة التي تناسبكم،
(1) - سورة الزخرف آية: 32.
(2) - سورة الزخرف آية: 32.
(3) - سورة الكوثر آية: 1.
(4) - سورة هود آية: 37.
(5) - سورة القمر آية: 14.
(6) - سورة هود آية: 37.
(7) - سورة الإنسان آية: 30.
(8) - سورة المدثر آية: 56.
(9) - سورة التكوير آية: 28.
(10) - سورة الإنسان آية: 30.
(11) - سورة النازعات آية: 24.
(12) - سورة القصص آية: 38.
(13) - سورة البقرة آية: 258.
(14) - سورة يونس آية: 99.
(15) - سورة الرعد آية: 31.
(16) - سورة الشعراء آية: 4.
(17) - سورة يس آية: 47.
(18) - سورة النحل آية: 35.