الصفحة 125 من 322

وتستطيعون بها مزاولة الأعمال، فلا تقعوا في حيرة، ولا تحتجوا بهذه المشيئة على ممارسة الأعمال السيئة، وعلى البقاء عليها.

فأنتم قد مكنكم الله، وقد أعطاكم السمع والبصر، وقد أعطاكم الأفئدة، وقد فتح لكم المعرفة، وقد أقام عليكم الحجة، وأزال عنكم الأعذار، وبين لكم طرق الخير وطرق الشر، وهدى من شاء فضلًا منه، وأضل من شاء عدلًا منه، وجعل هناك وسائل تجذب هؤلاء إلى الخير، ووسائل تصد هؤلاء عن الشر، فسلط على الإنسان أعداءه، وهي الشياطين كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) } [1] فتنة وابتلاء من الله، خصهم بالشياطين، خصَّ الكفار بالشياطين، قال الله -تعالى-: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [2] يعني: الكفار {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) } [3] ؛ ولهذا يعترف الشيطان فيقول: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [4] .

فعلى هذا نقول: إن الله -سبحانه- قد أقام الحجج، وقد قطع الأعذار، وقد بين الخير والشر، وقد هدى من هدى فضلًا منه، وقد أعطى الجميع قدرة تناسبهم، وقد مكنهم، أعطاهم السمع والبصر والفؤاد والقوة والأيدي والأرجل، يعملون ويتمكنون وهكذا، فأمرهم بأن يعملوا فمنهم من عمل، ومنهم من لم يعمل.

نقول هذا فيما يتعلق بالأعمال الصالحة والطالحة، وهذا -أيضًا- يتمشى على الأعمال الدنيوية؛ وذلك لأن الله -تعالى- أعطى الإنسان القدرة على المزاولة على مزاولة الأعمال، وعلى التكسب وتحصيل الأرزاق، فليس قوت الإنسان ينزل عليه من السماء ناضجًا، طعامًا ناضجًا، ولكن يؤمر بأن يتكسب ويتسبب ويحترف ويحرث، ويستعمل ما أعطاه الله من القوة، فهو بهذا يستطيع مزاولة الأعمال الدنيوية.

هذه القدرة التي مكنه الله -تعالى- منها هي خاضعة لقدرة الله، ولو شاء لشل حركته كما يفعل بالمعوقين، لو شاء لأقعده فلم يستطع القيام ولشل يديه فلم يستطع العمل، ولأخرس لسانه فلم يستطع النطق، ولأعمى بصره، وأصم سمعه فلم يستطع السمع والبصر كما فعل ذلك بمن شاء من خلقه، ولكن أعطاه هذه الأمور حتى يعمل لدنياه ويعمل لآخرته.

ومن طبع الإنسان أنه ينبعث لطلب المكاسب، ينبعث لطلب الرزق، كما أن ذلك من طبع الحيوان، الحيوان والبهائم من طبعها أنها تنتشر في الأرض، وتطلب الرزق، تطلبه ولا تجلس في أوكارها ولا في بيوتها، بل تتقلب، الطيور أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها تتقلب: " تغدو خماصًا، وتروح بطانًا " البهائم إذا أطلقت فإنها تنتشر في الأرض، وترعى بأفواهها، الإنسان كذلك ينتشر في الأرض، ويطلب الرزق {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [5] يمشي في مناكبها،

(1) - سورة مريم آية: 83.

(2) - سورة النحل آية: 99 - 100.

(3) - سورة النحل آية: 100.

(4) - سورة إبراهيم آية: 22.

(5) - سورة الملك آية: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت