العباد تناسبهم ليس لأحد أن يبدل علم الله -تعالى-، الله -تعالى- هو العالم، فمتى علم في هذا الإنسان شيئًا فلا بد أن يحصل ما علمه الله فيه سواء قريبًا أو بعيدًا.
فإذا علم الله -تعالى- في هذا الإنسان أنه يموت سعيدًا، فلو حاول الناس كلهم أن يردوه عن أسباب السعادة لم يستطيعوا، ولو -مثلًا- شقي وعصى في وقت من الأوقات لرد الله له رشده إلى أن يموت، وهو على السعادة، وكذلك بالعكس إذا علم الله شقاوة عبد فلو حاول الناس كلهم أن يهدوه لم يستطيعوا، ولو اهتدى في زمان من الأزمنة فإن الله -تعالى- إذا قدر أنه يموت على الشقاوة لا بد وأن يموت عليها مهما كانت الحال.
ثم يقول:"ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما تصرف بقراءة القارئ له وبلفظه فإنه كلام الله، وأنه محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن".
مسألة خلق القرآن من أقدم المسائل خلافًا بين أهل السنة وبين المعتزلة، وما ذاك إلا أن المعتزلة أنكروا صفة الكلام، ينكرون أن الله -تعالى- متكلم، ويرمون من أثبت الكلام أنه مشبِّه وأنه ممثل؛ وذلك لأنهم يعتقدون أن الكلام لا يخرج إلا من بين الشفتين ومن اللسان واللهوات ومن الحنجرة التي تدفعه بالنفس وبالهواء، وأن هذه إنما هي في المخلوق، فإذا قلنا: إن الله متكلم فلا بد أن يكون كلام الله مثل ما نعقله، أنه يخرج من هذه المخارج التي يخرج منها كلام البشر؛ فيكون ذلك تشبيهًا، هذا هو الذي دفعهم إلى إنكار صفة الكلام، فأنكروا ما أخبر الله -تعالى- من أنه كلم موسى.
مر بنا الآيات التي في الكلام مثل قوله: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [1] ومثل قوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) } [2] وما أشبه ذلك فكثيرًا ما يذكر الله -تعالى- أنه يتكلم، كلم الله موسى، قال تعالى: {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [3] يعني: موسى {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) } [4] كلمه لا شك أن هذا دليل صريح على أنه كلم موسى.
ذكروا أن بعض المعتزلة جاء إلى أبي عمرو القارئ أحد القراء السبعة، وطلب منه أن يقرأ هذه الآية بنصب الاسم الشريف، قال اقرأها: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) } [5] وقصده بذلك أن يكون موسى هو المتكلم هو الذي كلم الله، وألا يكون الله مكلمًا له، ولكن أبا عمرو بن العلاء -رحمه الله- كان ذا فطنة، وفهم فقال: هب أني قرأت هذه الآية أو أنت قرأتها كذلك كيف تصنع بقول الله -تعالى- في سورة الأعراف: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [6] فبهت ذلك المعتزلي، وعرف أن هذه الآية لا حيلة له في تحريفها {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [7] لا حيلة له في أن يغيرها.
ثم ذكر شيخ الإسلام أن المعتزلة حرفوا"كلم الله"،"وكلمه"فحرفوها تحريفًا معنويًا، وقالوا: التكليم هو التجريج كلَّمه يعني: جرَّحه بأظافير الحكمة، ويريدون بذلك نفي أنه كلمه بكلام سمعه.
التكليم الأصل أنه هو المخاطبة، هذا هو الأصل في التكليم، والعرب إذا أرادوا التجريح فلا بد أن يكون هناك قرينة تدل عليه، وليس في القرآن هذه اللفظة، وإن كانت في اللغة، وفي الحديث: " ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلْمه يدمي، اللون لون الدم، والريح ريح المسك " ولكن هذا التحريف بعيد، أن يفسر التكليم بأنه التجريح؛ وذلك لأن المتبادر أنه الكلام، ثم -أيضًا- ينتقض هذا
(1) - سورة التوبة آية: 6.
(2) - سورة النساء آية: 164.
(3) - سورة البقرة آية: 253.
(4) - سورة النساء آية: 164.
(5) - سورة النساء آية: 164.
(6) - سورة الأعراف آية: 143.
(7) - سورة الأعراف آية: 143.