بأدلة أخرى، تفسيرهم للتكليم بأنه التجريح يرده التصريح بالكلام قال الله -تعالى-: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [1] صرح بالكلام لم يقل: بتجريحي، ولم يقل: بتكليمي"بكلامي"، فلا حيلة لهم في أن يردوا هذه اللفظة.
كذلك آيات النداء: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} [2] {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) } [3] {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} [4] لا شك أن النداء لا يكون إلا بكلام مسموع، فهو يرد تأويلهم التكليم بأنه التجريح.
النداء كلام مسموع يسمع يعني: صوت يُسمع، ويظهر كذلك -أيضًا- الكلام الذي حكاه الله -تعالى- عن نفسه لموسى، وخاطبه به كلام صريح في قوله -تعالى-: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ} [5] هذا هو الكلام الذي ناداه به: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) } [6] كذلك -أيضًا- قول الله -تعالى-: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} [7] هذا -أيضًا- كلام صريح، وهكذا قوله -تعالى-: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} [8] إلى آخر الكلام.
هذا هو الذي سمعه من ربه أنه ناداه بهذا الكلام: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) } [9] وكذلك قوله -تعالى- لما ذكر أنه نودي بالواد المقدس من الشجرة: {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} [10] لا شك أن هذا هو الكلام فهل يقال: إن هذا تجريح لا شك أن المعتزلة في تأويلهم وتكلفهم قد وقعوا في تحريف للكلم، أشبهوا فيه اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.
مشهور أن أول من أظهر ذلك هو الجعد -الجعد بن صفوان-، لما قرأ في القرآن أن الله كلم موسى أنكر ذلك، وقال: ما كلم الله موسى، وأن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، والخليل هو الحبيب أنكر ذلك، وقال: لم يكن الله يحب أحد، ولا يتخذ أحدًا خليلًا، فاشتهرت هذه المقالة عنه، فقتل في القصة المشهورة التي ذكرها البخاري بسنده في خلق أفعال العباد، وهي أنه أوثقه أمير الكوفة خالد القسري، ولما خطب الناس في يوم العيد وانتهى من خطبته قال لهم: أيها الناس ضحوا تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولا كلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد، ثم نزل فقتله، فجعله بمنزلة الأضحية التي تذبح في يوم العيد، جعله ضحيته، يعني: تقرَّب بها إلى الله -تعالى-، ذكر ذلك ابن القيم في أول النونية في قوله:
ولأجل ذا ضحَّى بالجعد خالد الـ ... قسري يوم ذبائح القربان
إذ قال إبراهيم ليس خليله ... كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قرباني
فذكر أن السبب أنه قال: ليس إبراهيم خليل الرحمن، وليس موسى كليم الرحمن، ولم يكلم الله أحدًا من خلقه.
الأدلة من السنة واضحة -أيضًا- منها: قوله - صلى الله عليه وسلم - " إذا كان يوم القيامة نادى الله -تعالى- آدم فينادي بصوت يا آدم إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار " ينادي بصوت، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان " يكلمه ربه بدون مترجم، يسمع كلام الله ويكلمه، لا شك أن هذه أدلة واضحة.
كذلك -أيضًا- من القرآن يذكر الله -تعالى- كلماته كما في قوله -تعالى-: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} [11] {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [12] تمت يعني: أنها وصفت بالتمام وبالكمال، وكذلك قوله -تعالى-: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [13] وكذلك قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [14] تكلم العلماء على مثل هذه الآيات، وقالوا كيف تنفد؟ كيف تنفد كلمات الله، وهي ليس لها نهاية، وليس لها بداية؟ والمخلوق له بداية ونهاية؛ وذلك لأن الله -تعالى- أخبر بأنه لو أن بحار الدنيا
(1) - سورة الأعراف آية: 144.
(2) - سورة الشعراء آية: 10.
(3) - سورة النازعات آية: 16.
(4) - سورة مريم آية: 52.
(5) - سورة النازعات آية: 16 - 17.
(6) - سورة طه آية: 24.
(7) - سورة الأعراف آية: 143.
(8) - سورة طه آية: 9 - 13.
(9) - سورة طه آية: 12.
(10) - سورة القصص آية: 30 - 31.
(11) - سورة هود آية: 119.
(12) - سورة الأنعام آية: 115.
(13) - سورة الكهف آية: 109.
(14) - سورة لقمان آية: 27.