مدادًا يعني: حبرًا، وأن أشجار الدنيا من أولها إلى آخرها صارت أقلامًا فكتب بتلك الأقلام، وكتب بذلك المداد، وجعل مع البحار مثلها سبع مرات لما نفد كلام الله، لنفد البحر وكتب به حتى ينفد مع غزارة البحر، ولتكسرت الأقلام دون أن ينفد كلام الله، إذًا فهذه أدلة واضحة في إثبات صفة الكلام لله تعالى.
نقول: لما أن المعتزلة أنكروا صفة الكلام، وقالوا: إن ذلك يستدعي تشبيها بيَّن لهم أهل السنة أنه لا يستدعي تشبيها، فالله -تعالى- يتكلم كما يشاء، ولا يلزم أن يكون كلامه يخرج من المخارج التي يخرج منها كلام الآدمي، يعني: لا يلزم أن يكون هناك قصبة هوائية، ولا أن يكون هناك -مثلا- لهوات أو أسنان أو شفتان أو لسان أو نحو ذلك، الله -تعالى- قادر على أن يتكلم كما يشاء.
نحن الآن نشاهد الأدوات التي يخرج منها الكلام، وهي ليست لها هذه الأدوات، فعندنا -مثلا- هذه الأشرطة التي هي جماد، ومع ذلك تسجل الكلام وتحفظه، ثم بعد ذلك يخرج كما هو، ولا نقول -مثلا-: إن هذا الحديد أو إن هذه الأشرطة لها ألسنة، ولها قصبات، ولها شفايا، وما أشبه ذلك، بل يخرج منها الكلام كما دخل، فلا يلزم أن يكون هناك ما التزموه.
إذًا فالله -تعالى- قادر على أن يتكلم كما يشاء، وأن يسمع كلامه من شاء من عباده، كما أسمعه موسى، وكما كلم نبينا - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء.
وبعد أن أنكر المعتزلة هذه الصفة احتج عليهم بالقرآن، وقيل إذا قلتم: إن الله -تعالى- لا يتكلم، نخصمكم بالقرآن؛ لأن القرآن من الله -تعالى- فهو كلامه، فعند ذلك انتقلوا إلى حجة أخرى ألا وهي أنه مخلوق، سبحان الله! أليس من الأعراض؟! كيف تكون الأعراض مخلوقا؟ فقالوا: مخلوق. كيف خلقه؟ قالوا: خلقه كما خلق الأرض، وكما خلق الشجر، وكما خلق البشر، وكما خلق الأعراض والجواهر وما أشبهها، كيف خلقه؟ قالوا: مخلوق حقا يحاول خصومهم أن يجدوا جوابا واضحا يتضح به أنهم يقولون بأنه مخلوق بصفة كذا وكذا، ولكنهم يتوقفون عند كلمة مخلوق، فلما تمكنت هذه الشبهة عند ذلك، أوضح العلماء -رحمهم الله- ما عندهم من العلم، وما يعتقدونه فأوضحوا أن القرآن كلام الله تكلم به كما شاء، وأنه من جملة كلام الله.