الصفحة 137 من 322

إذًا فهو كلام الله أنزله على أنبيائه، كل من أنزل عليه وحيا فإنه كلامه، ينزل عليهم كلامه الذي تكلم به كما يشاء، فالقرآن كيفما تلي، وكيفما قرأ فهو كلام الله لا يخرج عن كلامه، إذا كتب في المصاحف فهو كلام الله، إذا سمعنا القارئ يقرأه فهو كلام الله -تعالى-، إذا حفظه الحافظ في صدره قلنا: هذا يحفظ كلام الله -تعالى-، إذا رتله قلنا: هذا يرتل كلام الله، إذا لحَّنه فإنه نقول: هذا يلحن كلام الله.

الكلام في الأصل هو الكلام الذي تكلم به الله -تعالى- كيفما قرئ، وكيفما تلي، وكيفما تصرف من قراءة القارئ وبألفاظ القراء، فهو كلام الله يحفظونه في صدورهم وهو كلام الله، يتلونه بألسنتهم وهو كلام الله، يكتبونه في مصاحفهم وهو كلام الله -تعالى-، ليس شيء منه مخلوقا، منه بدأ وإليه يعود، منه بدأ ابتدأ الله -تعالى- كلامه وإليه يعود، كما ورد في الأحاديث أنه في آخر الزمان ينسخ من المصاحف، وينسخ من الصدور، عندما يبقى لا يعمل به، فهو كلام الله -تعالى- منزل غير مخلوق، ليس شيء منه مخلوقا، وإذا قرأه القارئ فإننا نقول: حركات القارئ مخلوقة، وأما نفس الحروف التي يقرأها، ونفس الكلام الذي ينطق به فإنه غير مخلوق، بل هو كلام الله، وكلام الله -تعالى- من علمه، وعلمه ليس بمخلوق؛ لكونه صفة من صفاته، ومن ادعى أن علم الله -تعالى- أو شيئا من صفاته الذاتية مخلوق فقد كفر، حيث جعل ربه الذي هو خالق كل شيء محلا للحوادث.

بعد ذلك نقول: لما وقعت الفتنة؛ فتنة القول بخلق القرآن، تمكنت في آخر القرن الثاني، ولكن ما اشتهر الإلزام بها إلا في أول القرن الثالث؛ وذلك لأن الخليفة المأمون انخدع ببعض المعتزلة فقرَّبهم، ومن أشهر من قربه أحمد بن أبي دؤاد، وكان لسنا جريئا في الكلام قوي الحجة عنده من الجرأة، وعنده من الفصاحة والبلاغة ما جعله يكون محلا للثقة به، ووثق به الخليفة المأمون، ولما وثق به قربه، وولاه قضاءً، وصار وزيرا له وجليسا له.

فكان من جملة ما دعا الخليفة إليه أن يبين له أن هذا من واجب المسلمين ومن عقيدتهم، وأن الذي يقول: إن الله متكلم، وأنه يتكلم فقد شبه الله -تعالى- بالمحدثات، ويكون بذلك كافرا حتى أدى الأمر إلى أن قتل كثير من أهل السنة بسبب تصلبهم؛ تصلبهم في هذا الأمر، وعدم امتناعهم من القول بخلق القرآن، ولما تصلب كثير منهم كان من جملة الذين تصلبوا وصبروا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت