رحمه الله تعالى- فأصرَّ على أن يصبر على الحبس، ويصبر على الضرب، فضرب وجلد جلدات لما أنه أحضر إلى المأمون دعا الله ألا يريه وجهه، فمات المأمون قبل أن يصل إليه، ولكنه أوصى أخاه المعتصم بأن يستمر في هذه الفتنة فاستمر فيها، وحبس الإمام أحمد، وبقي سجينا مدة طويلة، وجلد جلدات كبيرة، ولكنه تصلب وصبر.
جاءه بعض المعتزلة وقالوا: يا أحمد قل في أذني: إن القرآن مخلوق، وأنا أخلصك من هذه الأنكال، ومن هذه الأغلال، ومن هذا العذاب. فقال له: قل في أذني: إن الله متكلم، وأن القرآن كلام الله، وأنا أشفع لك عند الله، وأشهد لك بأنك من المؤمنين بكلام الله.
من جملة ما احتج به عليهم من الأدلة أنه احتج عليهم بأن كلام الله -تعالى- لا يمكن أن يتغير، فقرأت في بعض التراجم أنه جيء به، وقيل له: هل رأيت رؤيا؟ فقال: نعم. رأيت رؤيا. ما هي؟ قال: رأيت كأني قمت لأصلي فقرأت في الركعة الأولى بقل أعوذ برب الفلق، فلما قمت للركعة الثانية أردت أن أقرأ بقل أعوذ برب الناس، فلم أقدر فالتفت فوقي، وإذا القرآن ميت، فعند ذلك أخذته وغسلته وكفنته، فقال المعتصم ومن حوله: وهل القرآن يموت؟ فقال: أنتم تقولون: إن القرآن مخلوق، وكل مخلوق يموت، فانتبهوا أن هذه حجة عليهم.
يقول: نعم لو كان القرآن مخلوق، فالمخلوق يموت، يموت ويأتي عليه العدم، فإذا أنكرتم هذه الرؤيا، فأنكروا قولكم: إن القرآن مخلوق، والرؤيا التي ذكرها رأيتها مكتوبة، ويمكن أنها -أيضا- مطبوعة في بعض الكتب المطولة في ترجمة الإمام أحمد، الكتب المطولة لابن الجوزي وغيرها فعلى كل حال القرآن كلام الله -تعالى- حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.
يبقى عندنا بعض مما يتعلق بقصة البخاري، نأتي إليها غدا -إن شاء الله-، والله أعلم، وصلى الله على محمد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: