الصفحة 139 من 322

س: فهذا سائل يقول: إذا قال قائل: إن القرآن مخلوق، واستدل بقول الله -جل وعلا- {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} [1] ؟.

ج: لعلكم قرأتم كلام ابن أبي العز في شرح الطحاوية في مناقشته أدلة المعتزلة، فإنهم استدلوا بعمومات، فاستدلوا بآيات الجعل في قوله -تعالى-: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} [2] وكان قد استدل بها بشر بن المريسي في مجادلته مع عبد العزيز الكناني، كما ذكر ذلك في رسالته التي تسمى"الحيدة"فخصمه الكناني، وقال له: الجعل ليس هو الخلق، بل الجعل هو التصيير، فإنا نخصمكم قول الله -تعالى-: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91) } [3] هل المراد أنهم خلقوا القرآن عضين؟، وقول الله -تعالى-: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [4] هل المراد خلقوا له من عباده جزءا؟ وأشباه ذلك، فكذلك الجعل في هذه الآية بمعنى التصيير، جعلناه يعني: صيَّرناه عربيا أي: أنزلناه بهذا اللسان العربي.

وقد تقرءون في القرآن من أوله إلى آخره ما تجدون لفظا صريحا يفهم منه أن القرآن وصف بأنه مخلوق، بينما سائر المخلوقات يُصرَّح فيها بذلك.

قال بعض العلماء: إن الله ذكر القرآن في أكثر من خمسين موضعا، ولم يصرح بموضع واحد بالخلق، وذكر الإنسان في سبعة عشر موضعا، وصرح فيها كلها بالخلق، ومن أقرب ذلك أول سورة الرحمن: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) } [5] انظر كيف فرَّق:"علم"،"خلق" {عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) } [6] .

واستدل للمعتزلة بعموم قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [7] وأجاب -أيضا- عن هذه الآية الكناني في رسالته الحيدة، وذلك أن بشرا قال له: أتقر بأن الله خالق كل شئ؟ فإن قلت: إنه خالق كل شيء، وأن القرآن شيء خوصمت؛ لأنه مخلوق، وإن قلت: إنه ليس بشيء كفرت؛ لأنه مشاهد أنه من الأشياء فأجابه: بأنه شيء لا كالأشياء، وأن الآية ليست على عمومها، فلا يدخل فيها صفات الله -تعالى-، يستثنى منها صفات الله، فالله -تعالى- بصفاته ليس شيء منه مخلوق.

س: وهذا يقول: ورد أن من قال:"لفظي بالقرآن مخلوق"هو الذهلي شيخ الإمام البخاري، فهل هذا الكلام صحيح؟

ج: محمد بن أحمد الذهلي هو الذي اتهم البخاري بأنه يقول: إن لفظي بالقرآن مخلوق، وهو الذي شنَّع على البخاري، وقال:"البخاري: يقول: إن لفظي بالقرآن مخلوق"فلأجل ذلك وقعت بينه وبين البخاري وحشة، وامتنع من أن يصادق البخاري حتى اضطر البخاري إلى أن خرج من بلده التي هي نيسابور، لم يبق في نيسابور التي هي بلاد الذهلي، ثم حقق العلماء أن البخاري لم يقل هذه المقالة كما سمعنا في النقول التي قرأناها في التعليق أنه لم يقل هذه المقالة، وإنما قال:"إن حركاتنا بالقرآن مخلوقة"، وعبارة أهل السنة أنهم يقولون:"القول قول الباري، واللفظ لفظ القاري".

(1) - سورة الزخرف آية: 3.

(2) - سورة الزخرف آية: 3.

(3) - سورة الحجر آية: 91.

(4) - سورة الزخرف آية: 15.

(5) - سورة الرحمن آية: 1 - 3.

(6) - سورة الرحمن آية: 2 - 3.

(7) - سورة الرعد آية: 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت