ومتشابه، مطلق ومقيد، كل ذلك كلام الله -تعالى-، ثم معلوم أن الله -تعالى- تكفَّل بحفظه وتولى ذلك، حفظه الله حتى وصل إلينا كما هو، نحفظه في الصدور، ونكتبه في السطور، ولا يخرج بذلك عن كونه كلام الله حروفه ومعانيه.
سنرد على الذين قالوا: إنه مخلوق كالمعتزلة بأن الله -تعالى- سماه كلامه في قوله -تعالى-: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} [1] معلوم أنهم يسمعونه من القُرَّاء، يسمعونه من قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن قراءة الصحابة، ومع ذلك لم يخرج عن كونه كلام الله، وكذلك قوله -تعالى-: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [2] معلوم أنه لا يسمعه إلا من القراء، لا يسمعه من الملك، ولا يسمعه من الرب -تعالى-، يسمعه بواسطة القراء، وكذلك قوله -تعالى-: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ} [3] وقد أثبت الله -تعالى- لنفسه القول في عدة آيات: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} [4] {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [5] {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} [6] فالقول لا شك أنه هو الكلام.
كذلك يرد على الأشاعرة الذين يدعون أن هذا القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله، وأنه ليس هو كلام الله عينا؛ وذلك لأنهم اعتقدوا أن الله -تعالى- لا يتكلم بمثل هذه الحروف، وقالوا: كلام الله هو المعاني دون الألفاظ، وشبهتهم بيت ينشدونه كثيرا، وهو قول القائل:
إن الكلام لفي الفؤاد, وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
يرددون هذا الكلام، ويقولون: هذا قول الشاعر العربي، الشاعر العربي يجعل الكلام هو المعنى لا أنه هو اللفظ، بحثنا وبحث العلماء عن هذا الشاعر فقالوا: إنه هو الأخطل، نظرنا وإذا البيت لم يوجد في ديوانه المشهور، ثم رواه بعضهم:"إن البيان لفي الفؤاد"، وهذا أقرب على تقدير ثبوته عن الأخطل.
ثم نظرنا وإذا هذا الشاعر نصراني لم يدخل في الإسلام، تمسَّك بنصرانيته، ولو كان من العرب من بني تغلب، والنصارى قد ضلوا في معنى الكلام اعتقدوا أن عيسى هو نفس الكلمة، فعلى هذا يكون هذا الشاعر تكلم به على معتقده الباطل، فلا يكون حجة.
هذا هو دليل هؤلاء الأشاعرة يقبلون هذا البيت ويعتمدونه، يعتمدونه في الكلام الذي هو أوضح شيء، فيقولون: إن الكلام هو المعاني، وإن الحروف التي تسمع فليست كلاما، وهذا مخالفة للحس ومخالفة للظاهر، العرب لا يسمون الساكت متكلما، معلوم أنه ما دام ساكتا فلا ينسب إليه كلام، ولو حدَّث نفسه، ولو تصور في قلبه أشياء فليس متكلما، وهو ساكت صامت.
(1) - سورة البقرة آية: 75.
(2) - سورة التوبة آية: 6.
(3) - سورة الفتح آية: 15.
(4) - سورة الأحزاب آية: 4.
(5) - سورة المائدة آية: 119.
(6) - سورة المائدة آية: 115.