إذًا فالكلام هو ما ينطق به، هذا هو الصحيح، على هذا فالقرآن الذي هو كلام الله هو عين الحروف، الحروف الموجودة، والكلمات الموجودة، والآيات والسور هي عين كلام الله، وهي التي ذكرها الله -تعالى- عن المشركين وتحداهم بها لقوله: {فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [1] معلوم أن المراد بمثله هذه الحروف، وفي قوله -تعالى-: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ} [2] ليس المراد المعاني، بل المراد بالألفاظ والحروف، وهو الذي قال المشركون فيه: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) } [3] يريدون به هذا القرآن الذي هو حروف وكلمات، فبطل بذلك دعوى هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام هو المعنى دون اللفظ.
ذكرنا أن السلف -رحمهم الله- بدعوا وشنعوا على من يقول: إنه مخلوق، وجعلوهم جهمية معتزلة مبتدعة منكرين لصفة من صفات الله -تعالى-، ثم جاءتنا -أيضا- عبارة قد ترد في بعض كلامهم، وهي قولهم:"لفظي بالقرآن مخلوق"، هذه العبارة محتملة فلأجل ذلك نهى عنها السلف -رحمهم الله-، وشددوا في النهى عن استعمالها، وبدعوا من يقول:"لفظي بالقرآن مخلوق"، لماذا؟ لأنه قد يكون مرادهم باللفظ: الملفوظ الذي هو كلام الله.
هذا هو الصحيح في قولهم: لا تقولوا أو نهوا عن قول:"لفظي بالقرآن مخلوق"إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق فإنه يحتمل المعنيين: يحتمل أن يريد باللفظ الملفوظ، ويحتمل أن يريد باللفظ الحركات، فمعلوم أن حركات الإنسان مخلوقة، حركات فمه، حركات شفتيه، وحركات لسانه، وحركات قصباته الهوائية، وحركات
(1) - سورة الطور آية: 34.
(2) - سورة الإسراء آية: 88.
(3) - سورة المدثر آية: 25.