الصفحة 149 من 322

نَفَسه مخلوقة الإنسان بحركاته وبأفعاله مخلوقة كما قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } [1] فإذا قصد الإنسان أن حركاته مخلوقة فإنه صحيح، وعلى هذا بيَّن العلماء أن أفعال العباد مخلوقة.

أما إذا كان يريد باللفظ: الملفوظ فإن القرآن كلام الله، ولو تلفظ به من تلفظ به، فهو كلام الله أينما قُرىء، وأينما تلي، وأينما نسخ، عبر شيخ الإسلام ابن تيمية في الوسطية بقوله:"إن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا"عبارة واضحة، ولأجل ذلك نقول: إذا سمعنا من يقول -مثلا-: " إنما الأعمال بالنيات " قلنا: هذا كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمعنا من يتكلم بقوله: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " قلنا: هذا كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه الذي ابتدأه، فكيف ذلك إذا سمعنا من يقول: -مثلا-: {* سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [2] قلنا: هذا كلام الله هو الذي تكلم به ابتداء.

وإذا جاء في القرآن حكاية لكلام غير الله فإننا ننسبه إلى أنه كلام الله، فنقول -مثلا-: قال الله -تعالى- عن فرعون: {فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) } [3] قال الله عن إبليس: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) } [4] قال الله عن نوح: {رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا} [5] قال الله عن موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [6] يعني: حكى الله -تعالى- قول موسى، فيكون القول لموسى، ولكن بعدما حكاه الله -تعالى- في القرآن أصبح من كلام الله.

فعبارة السلف -رحمهم الله- إذا أرادوا التعبير الواضح يقولون:"القول قول الباري، والصوت صوت القاري"، فيقال: استمعوا للقرآن بصوت القارئ فلان بن فلان، فصوت القارئ وحركاته لا شك أنه مخلوق، وأما نفس المقروء الذي هو كلام الله فإنه ليس بمخلوق.

والآن نقرأ في الفقرة الثانية عشر، اقرأ يا هشام.

أفعال العباد مخلوقة لله

والخير والشر بقضاء الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي -رحمه الله تعالى- في بيان اعتقاد أهل السنة:

"ويقولون: إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله - عز وجل - وأن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، وأن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله - عز وجل - ولا عذر كما قال الله - عز وجل - {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) } [7] وقال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [8] وقال: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [9] وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [10] ومعنى نبرأها: نخلقها بلا خلاف في اللغة، وقال مخبرا عن أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [11] وقال: {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [12] وقال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [13] ."

ويقولون: إن الخير والشر، والحلو والمر بقضاء من الله - عز وجل - أمضاه وقدَّره لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، وإنهم فقراء إلى الله - عز وجل - لا غنى لهم عنه في كل وقت.

(1) - سورة الصافات آية: 96.

(2) - سورة البقرة آية: 142.

(3) - سورة النازعات آية: 23 - 24.

(4) - سورة ص آية: 82.

(5) - سورة نوح آية: 21.

(6) - سورة القصص آية: 16.

(7) - سورة الأنعام آية: 149.

(8) - سورة الأعراف آية: 29 - 30.

(9) - سورة الأعراف آية: 179.

(10) - سورة الحديد آية: 22.

(11) - سورة الأعراف آية: 43.

(12) - سورة الرعد آية: 31.

(13) - سورة هود آية: 118 - 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت