قد تكلمنا بالأمس عن أفعال العباد، وقد أورد في هذه الفقرة ما يتعلق بخلق أفعال العباد، وبكمال قدرة الله -تعالى-، وبعلمه السابق، ففي هذه الفقرة الكلام على القدرة، والكلام على الإرادة والمشيئة، والكلام على العلم السابق، وكل ذلك موضح بكتب العقائد.
فنعتقد أولا: أن الله -تعالى- بكل شيء عليم، وأنه علم الأشياء قبل أن توجد، وقبل أن تتحقق، وقبل أن تظهر، علم ذلك بعلمه الأزلي القديم، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، هذه عقيدة أهل السنة، وأنكروا بذلك على غلاة المعتزلة الذين يدعون أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، لا يعلم الأشياء حتى تظهر وتقع.
وقد ذكرنا أن الله -تعالى- أنكر عليهم، في القصة التي أشرنا إليها رواها عبد الله بن عمرو وغيره: أن ثلاثة من المشركين بمكة كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، اجتمعوا فقال أحدهم: هل ترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال أحدهم: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا. فقال الآخر: إذا كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. أنزل الله -تعالى-: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) } [1] أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، هكذا ظنهم.
ثم إن الغلاة كمعبد الجهني وغيلان القدري بالغوا وقالوا: إن الأمر أُنُف، وإن الله لا يعلم الأشياء حتى تحدث، فرد عليهم الأئمة ردا واضحا، ولا شك أن القرآن فيه الرد الواضح عليهم مثل قول الله -تعالى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) } [2] يعني: معرفة الأمور المستقبلة يسير على الله -تعالى-، فلا يصيب أحدا مصيبة إلا وهي مكتوبة قبل أن يخلق، بل قبل أن تخلق المخلوقات كلها، كما قال في الحديث: " أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة ".
كتب الله -تعالى- في الذكر كل شيء، في حديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " كان الله ولم يكن شيء قبله، وكتب في الذكر كل شيء " يريد بالذكر: اللوح المحفوظ، كتب كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ما من شيء كائن إلا وهو مكتوب، قال الله -تعالى-: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) } [3] كل ما هو كائن فإنه في كتاب محفوظ، في اللوح المحفوظ لا يتغير، ولا يتغير عن ما هو عليه.
كذلك يقول الله -تعالى-: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) } [4] أي: مكتوب قبل أن توجد هذه المخلوقات كلها، يسمي هذا النوع العلم السابق، يعني: علم الله بالأشياء قبل حدوثها.
(1) - سورة فصلت آية: 22.
(2) - سورة الحديد آية: 22.
(3) - سورة الحج آية: 70.
(4) - سورة الأنعام آية: 59.