الصفحة 154 من 322

ذكر أن غلاة القدرية هم الذين أنكروه، فقال لهم في حقهم الشافعي -رحمه الله-:"ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا"أي: سلوهم هل الله بكل شيء عليم؟ فإذا اعترفوا بأن الله بكل شيء عليم -كما جاء في القرآن- فقل: ما الفرق بين الماضي والمستقبل؟ إذا كان الله بكل شيء عليما، فإنه عليم بالأشياء التي قد حدثت، وعليم بالأشياء التي لم تحدث فكلها شيء، وكل شيء حادث فإنه لا بد أنه معلوم لله، كل ما يحدث، فإذا حدث شيء فقل: هذا مكتوب قبل أن يحدث، مكتوبة الأشياء قبل أن تحدث، ومع ذلك لا ينافي أنك مأمور بأن تعمل وبأن تبذل العمل؛ ولهذا لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الكتاب السابق وقال: " ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة، ومقعده من النار. فقال بعضهم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وقرأ قول الله -تعالى-: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) } [1] " فجعل التيسير له أسباب، وهو هذا العمل.

وبالجملة فالإيمان بالقدر السابق، وبعلم الله القديم واجب على كل مسلم.

قد ذكروا أن هذا النوع على أربعة أقسام: التقدير العام، والتقدير العمري، والتقدير السنوي، والتقدير اليومي.

فالتقدير العام هو الذي كتبه الله في اللوح المحفوظ لكل ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، هذا التقدير العام.

(1) - سورة الليل آية: 5 - 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت