وأما التقدير العمري فهو الذي يكتب والإنسان في رحم أمه، يبعث إليه الملك فيأمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، يكتب ذلك وهو في الرحم مع أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا لكل شخص، لكل إنسان؛ ولهذا قال في الحديث: " إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ".
وهكذا -أيضا- أخبر بأن الله -تعالى- كتب على الإنسان كل شيء، وأخبر بأنه لا يتغير بقوله: " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ".
إن هذا علم الله -تعالى- السابق استدل عليه بهذه الآية من سورة الحديد: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [1] أي: من قبل أن نخلقها.
أما القدر الذي أنكرته المعتزلة فهو قدرة الله -تعالى- على كل شيء، حيث إن المعتزلة يجعلون قدرة العبد أقوى من قدرة الرب، فيقولون: إن العباد مستقلون بأفعالهم، وليس لله قدرة على هداية أو على إضلال، بل العباد هم الذين يهدون أنفسهم أو يضلون أنفسهم، ويقولون: لو أراد العبد أن يفعل شيئا، وأراد الله ألا يفعله غلبت قدرة العبد لقدرة الرب، فالعبد عندهم هو الذي يهدي نفسه أو يضلها، أنكروا قول الله -تعالى-: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) } [2] أنكروا قول الله -تعالى-: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [3] من يضله الله فلا يهديه أحد.
تكاثر في القرآن إسناد الإضلال والهداية إلى الله، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويؤمن أهل السنة بأن قدرة الله -تعالى- عامة لكل شيء، عموم قوله -تعالى-: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) } [4] يدخل في ذلك أفعال العباد وحركاتهم، فهي لا تحصل إلا إذا شاءها الله -تعالى- وأرادها، قال -تعالى-: {إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) } [5] وقال -تعالى-: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [6] وقال -تعالى-: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) } [7] .
فمشيئة الله -تعالى- وقدرته داخل فيها كل أفعال العباد، لا يكون في الوجود إلا ما يريد، فلا خالق على الحقيقة إلا الله -تعالى-، وأن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، أكسابهم يعني: أعمالهم، الأشاعرة يقولون: إن أفعال العباد خلق الله وكسب العباد، فيثبتون للعبد كسبا، وكأنهم يبالغون في إثبات خلق الله -تعالى- للأفعال، ولا يثبتون للعبد إلا كسبا، ولكن ذلك الكسب قد لا يكون له حقيقة.
(1) - سورة الحديد آية: 22.
(2) - سورة الرعد آية: 33.
(3) - سورة النحل آية: 37.
(4) - سورة البقرة آية: 284.
(5) - سورة الشعراء آية: 4.
(6) - سورة يونس آية: 99.
(7) - سورة الأنعام آية: 149.