الصفحة 156 من 322

من الأشياء التي لا حقيقة لها الكسب عند الأشعري، ولهذا يقول بعض الشعراء:

مما يقال ولا حقيقة تحته ... معلومة تدنو من الأفهام

الكسب عند الأشعري والحال عنـ ... د الهاشمي وطفرة النظام

يعني: أنها تقال، وليس لها حقيقة، ومع ذلك كسب العبد نفسه، وعمل العبد نفسه مخلوق لله -تعالى-، وهذه المسألة هي التي ألف فيها البخاري كتابه"خلق أفعال العباد"، أورد الأدلة على أن أفعال العباد كلها خلق الله، حركاتهم لا تكون إلا بإرادة الله -تعالى- وبمشيئته، وأن الله يهدي من يشاء فضلا منه، ويضل من يشاء عدلا منه، وإذا كان هو الذي يهدي ويضل فإنه مع ذلك لا حجة لمن أضله الله - عز وجل - ولا عذر له، لا حجة له في ارتكاب المعاصي ولا عذر له.

وقوله -تعالى-: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) } [1] أخبر بأن حجة الله أقوى من حجتهم، وذلك أن الله حكى عن المشركين احتجاجهم لقدرة الله بقولهم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [2] {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) } [3] ثم مع ذلك قال: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) } [4] وقال -تعالى-: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [5] الذين هداهم الله مَنَّ عليهم بالهداية ووفقهم وأعانهم حتى صاروا مهتدين {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [6] الذين حق عليهم الضلالة هم الأشقياء، هم الكفرة، هم المحرومون حقت عليهم الضلالة، الله -تعالى- هو الذي أضلهم، وصرف قلوبهم، وحال بينهم وبين الهداية عدلا منه وحكمة.

وكذلك قوله -تعالى-: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [7] ذرأنا أخبر بأنه ذرأهم يعني: خلقهم لها، ورد -أيضا- في حديث يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - " إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم، وإن الله خلق للنار أهلا خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم " وفي الحديث القدسي: " أن الله قبض قبضة فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة أخرى وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي ".

فحكمة من الله -تعالى- أنه قسم خلقه إلى قسمين.

فالحاصل أن هداية الله -تعالى- فضل منه، وإضلاله عدل منه؛ ولهذا حكى الله -تعالى- عن أهل الجنة أنهم يقولون بعدما دخلوا الجنة {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [8] يعني: يعترفون بفضل الله -تعالى- عليهم، وبأنه هو الذي وفقهم وسددهم وأعانهم وأعطاهم ما يتميزون به عن أهل النار فضلا منه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [9] .

وكذلك عموم مشيئة الله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [10] لو شاء لجعلهم أمة واحدة كما في قول الله -تعالى- {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) } [11] {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8) } [12] لو شاء لجعلهم أمة واحدة يعني: كلهم مهتدون، ولكن صرف قلوب هؤلاء عدلا منه، وهدى قلوب هؤلاء فضلا منه.

ويقولون:"إن الخير والشر والحلو والمر بقضاء من الله - عز وجل - أمضاه وقدره"ورد ذلك -أيضا- في الحديث: " أن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره " أي: تؤمن بأن ما يحدث في الكون، فكله من الله مقدر خيره وشره حلوه ومره، ما يلائمك وما لا يلائمك، تؤمن بأنه مكتوب عند الله -تعالى-.

الخير أن تعمل الخيرات التي تحسن لك، فإذا أصبت -مثلا- برزق، حصل لك رزق، وحصل لك نعمة وصحة ورفاهية وراحة وطيبة وسعة بال فاعلم أنها بقدر، بقدر من الله، وأن الله الذي قدرها، وإذا أصبت بهمٍّ، أو غم، أو حزن، أو فقر، أو مرض، أو مصيبة في مال، أو في بدن، أو في ولد، أو في أمر من الأمور التي تجلب لك السوء وتحزنك فاعلم أنها مكتوبة، أنها مقدرة.

وكذلك كل ما يحلو لك أو لا يحلو اعلم أنه من الله وأنه بقدر بقضاء من الله -تعالى- قدره وأمضاه، واعلم أن الخلق لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله -تعالى-.

الله -تعالى- هو الذي يعطي هؤلاء النفع، وهؤلاء الضر، ويقدر عليهم ما قدره، وأنهم فقراء إلى الله - عز وجل - لا غنى لهم عنه في وقت من الأوقات، قال الله -تعالى-: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [13] قال -تعالى-: {* يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [14] أنتم الفقراء إلى الله، وفقر الإنسان فقر لازم، فقر ذاتي لا يمكن أن يتغير ولا أن يتحول، فالأبيات التي لشيخ الإسلام يقول فيها:

فالفقر لي وصف ذاتٍ لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي

الفقر للإنسان وصف ذاتي، والغنى للرب -تعالى- وصف ذاتي.

هذا الكلام الذي ذكره المؤلف في هذه الفقرة يتعلق بالقضاء والقدر، وقد ذكر العلماء أن القدر على درجتين:

الدرجة الأولى: أن الله -تعالى- علم الأشياء قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ.

والدرجة الثانية: أن الله -تعالى- أراد الأشياء الموجودة، ثم خلقها، فالدرجة الأولى تتضمن العلم والكتابة، والدرجة الثانية تتضمن الإرادة والخلق، أرادها وخلقها؛ ولهذا يقولون: لا يكون في الوجود إلا ما يريد، لا يمكن أن يحدث شيئا في الوجود إلا بعد إرادة الله -تعالى-.

ثم إن هذه الدرجة انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام: فقوم أنكروها، وقالوا: ليس لله قدرة على أفعال العباد، وهؤلاء هم المعتزلة؛ ولهذا يسمون مجوس هذه الأمة حيث جعلوا مع الله خالقا، فقالوا: كل أحد يخلق أفعاله، ليس لله قدرة على أفعال العباد؛ فجعلوا قدرة العباد أقوى من قدرة الله هذه طائفة المعتزلة.

وطائفة غلت في هذه الدرجة وبالغت فيها، وهم الجبرية الذين جعلوا العبد كالأداة ليس له أي اختيار، وليس له أية عمل، ولا ينسب إليه أية حركة، وجعلوا حركة العباد كحركة المرتعش، وهو الذي ترتعش يداه، ولا يقدر على إمساكها، وجعلوا حركاته كحركات الشجر الذي تحركه الرياح بغير اختيارها، ويسمون الجبرية، يدعون أن العبد مجبور على أفعاله.

(1) - سورة الأنعام آية: 149.

(2) - سورة الأنعام آية: 148.

(3) - سورة الأنعام آية: 148.

(4) - سورة الأنعام آية: 149.

(5) - سورة الأعراف آية: 29 - 30.

(6) - سورة الأعراف آية: 30.

(7) - سورة الأعراف آية: 179.

(8) - سورة الأعراف آية: 43.

(9) - سورة الأعراف آية: 43.

(10) - سورة هود آية: 118 - 119.

(11) - سورة الشورى آية: 7.

(12) - سورة الشورى آية: 8.

(13) - سورة محمد آية: 38.

(14) - سورة فاطر آية: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت