وقد رد عليهم أهل السنة، وقالوا: إن في هذا القول إبطال للشريعة، وسلب للحكمة؛ وذلك لأن الله -تعالى- يوجه الأوامر إلى الناس ويأمر وينهى، ولولا أن للعباد قدرة على أفعالهم لما أمرهم بها، كيف يقول لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [1] وهم مع ذلك لا يقدرون على شيء؟ وكيف يقول لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [2] وهم لا يقدرون على شيء؟ وكيف يقول لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [3] وهم لا يقدرون على شيء؟.
وأيضا فإن في الغلو في هذه الدرجة مخالفة للعقل، فالذين يدعون أنهم مجبورون على هذه الأفعال مضطربون في ذلك، ومخالفون لعقولهم، ثم هم -أيضا- مخالفون لواقعهم.
والحاصل أن مثل هؤلاء يحتجون بالقدر على المعاصي، ولكن عندما يعاقبون لا يحتجون به، في أبيات ابن القيم الميمية يقول فيها:
وعند مراد الله تفنى كميت ... وعند مراد النفس تسدي وتلحم
وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ... ظهيرا على الرحمن للجبر تزعم
(1) - سورة الحج آية: 77.
(2) - سورة البقرة آية: 104.
(3) - سورة البقرة آية: 278.