الصفحة 169 من 322

وأما مشايخنا الحاضرون الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- فكأنه يقول: نرخص لهم في ذلك حفاظا على صلاة الجماعة، وألا تتعدد الجماعة، فيدخل معهم بنية المغرب، فإذا صلى ثلاث ركعات انتظرهم حتى يصلوا الرابعة، ثم سلم معهم، أو نوى الانفراد وتشهد لنفسه وسلم. هكذا يرخص في ذلك، يقول: لكل مجتهد نصيب.

أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

ذكرنا أن لأهل القبلة في أفعال العباد ثلاثة أقوال، أو ثلاثة مذاهب: مذهب المعتزلة الذين ينكرون قدرة الله على أفعال العباد، ومذهب الجبرية الذين ينكرون قدرة العبد على فعله ويسلبونه أية حركة، ومذهب أهل السنة الذين يثبتون القوة والقدرة العامة لله تعالى، ويثبتون للعبد قدرة تناسبه مسبوقة بقدرة الله تعالى.

وذكرنا أن قول المعتزلة يسمونه عدلا؛ وذلك لأنهم توهموا أن الله إذا خلق المعصية في العبد ثم عاقبه عليها صار ظلما؛ فلأجل ذلك قالوا: العبد هو الذي يهدي نفسه، أو يضل نفسه، والله لا يقدر على أن يهدي ولا يضلل، فكانوا بذلك مفضلين قوة العبد على قوة الرب، وعندهم أن العبد يعصي ربه قسرا عليه وقهرا، يُعصى الله قسرًا، هو قول المعتزلة.

وأن الجبرية هم الذين سلبوا العبد قدرته، وسلبوه استطاعته، ولم يحدثوا له أية قدرة.

وقول أهل السنة وسط بينهما أن للعباد قدرة على أفعالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم، وبهذه القدرة التي أعطاهم الله كلفهم وأمرهم ونهاهم، وما كلفهم إلا وهم قادرون، وما أمرهم إلا وهم مستطيعون.

وفي المسألة -بلا شك- شيء من الخفاء؛ ولأجل ذلك يقول الطحاوي في عقيدته:"القدر سر الله في خلقه"، بمعنى أن هذه القدرة التي مكن الله بها العبد وكلفه بها خفية؛ فلأجل ذلك صار القدر سرًّا، سر الله في خلقه، وقد تكلم العلماء على هذه المسألة، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسائل في هذا الباب مطبوعة في الجزء الثامن من مجموع الفتاوى، مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ومنها رسالة بعنوان"أقوم ما قيل في القضاء والقدر والتعليل".

ولتلميذه ابن القيم كتاب كبير اسمه"شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل"، وهو أوسع من تكلم في هذه المسألة، وبين القول الفصل فيها، وجمع بين الأدلة؛ وذلك لأنه قد يتوهم من الأدلة شيء من المخالفة؛ لأن المشركين يحتجون بالقدر على المعاصي فيقولون: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا} [1] {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا} [2] {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [3] .

فأنكر الله تعالى عليهم هذا الاحتجاج، ومع ذلك يقول: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) } [4] ويقول: {إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) } [5] ويقول: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [6] فكل ذلك دليل على أنهم لا يخرجون عن مشيئته، ولا عن إرادته.

ثم ذكر العلماء أن الإرادة في كتاب الله على نوعين: إرادة قدرية، وإرادة شرعية، وأن الإرادة القدرية: هي التي يلزم وقوع المراد بها، ولكن قد يكون المراد بها محبوبا، وقد يكون غير محبوب.

فنقول: كل ما يحصل في الوجود فإنه مراد لله، كونا وقدرا، الطاعات والمعاصي والخلق والرزق والتدبيرات كلها، والحوادث التي تحدث في الدنيا كلها قد أرادها الله كونا وقدرا، ولو شاء لم تحصل؛ ولهذا قال في عمل السحرة: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [7] يعني بإذن الله الكوني القدري ليس الديني الشرعي؛ لأن الله تعالى حرم عمل السحر، وتوعد عليه، ومع ذلك السحرة لا يفعلون شيئا من قبل أنفسهم، ولو أضروا من أضروا، وحصل من الإضرار ما يحصل به، فإن ذلك مراد لله لا يخرج عن إرادته.

فنقول: لا يحصل قتل في الدنيا إلا بإرادة الله الكونية، ولا يحصل معصية من زنى، أو سرقة، أو أكل مال حرام، أو كسب حرام، لا يحصل شيء إلا وقد أراد الله وجوده إرادة كونية قدرية.

ولكن لا يلزم أن يكون محبوبا لله تعالى، وكذلك كل ما يحصل في الوجود، من تعبيراتهم أن يقولوا: لا يكون في الوجود إلا ما يريد، يعني إرادة كونية قدرية، يعني قدر الله أنه سيحصل كذا وكذا، وكل ما قدره كونا فإنه ولا بد حاصل، وهو مراد لله كونا وقدرا.

أما الإرادة الدينية الشرعية: فهي التي تستلزم محبة المراد، ولكن لا تستلزم وقوعه. فنقول: الله أراد من الخلق كلهم أن يسلموا، فهل أسلموا كلهم؟ أسلم من هداه الله وسدده، ولم يسلم من خذله وحرمه، الله أراد من الجميع أن يدخلوا في الإسلام، هذه إرادة دينية شرعية، لكن المراد دينا وشرعا محبوب إلى الله.

(1) - سورة الأنعام آية: 148.

(2) - سورة النحل آية: 35.

(3) - سورة يس آية: 47.

(4) - سورة الأنعام آية: 149.

(5) - سورة الشعراء آية: 4.

(6) - سورة يونس آية: 99.

(7) - سورة البقرة آية: 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت