الصفحة 171 من 322

فنقول: الله يريد منا الإسلام ويحبه، الله يريد منا الصلاة ويحبها، الله يريد منا أن نذكره ويحب ذلك، ويريد منا أن نتلوا كتابه ويحب ذلك، ويريد منا أن نطيعه ونطيع رسله ونتبعهم، ويريد منا أن نؤمن به ونؤمن برسله، ويريد منا أن نذكره ونسبحه وندعوه ونخلص له الدين وحده، ويريد منا أن نتصدق، ويريد منا أن نزكي، ويريد منا أن نصوم، وأن نجاهد، وأن نصبر، وأن نصدق، ونحو ذلك.

يريد ذلك منا إرادة دينية شرعية، يريدها من الجميع، ولكن قد تحصل من هذا ولا تحصل من هذا، مع أنه أراد من الجميع أن يكونوا صادقين، وأن يكونوا صابرين، وأن يكونوا قانتين ومخبتين ومنيبين وتائبين وعابدين، يريد منهم ذلك كلهم، ولكن منهم من تتحقق منه هذه الإرادة، فتجتمع فيه الإرادتان: الدينية والكونية، الدينية الشرعية، والكونية القدرية.

فنقول مثلا: إيمانك أيها العبد الصالح، وصلواتك، وعبادتك التي حصلت اجتمعت فيها الإرادتان: الإدارة الدينية، والإرادة الكونية، مثلا كفر هذا الكافر ومعصيته انفردت فيه الإرادة الكونية، وإيمان الكافر وطاعته انفردت فيه الإرادة الدينية، ولم تحصل له الإرادة الكونية، لو أراد الله إيمان الكافر كونا وقدرا لحصل، لكنه أراده دينا وشرعا، ولم يرده كونا وقدرا، فنتفطن للفرق بين الإرادتين، هذا المراد بأفعال العباد.

والآن نبدأ في القراءة، اقرأ يا هشام.

مسألة النزول ورؤية المؤمنين ربهم في الآخرة

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي -رحمه الله تعالى- في بيان اعتقاد أهل السنة:

وإنه - عز وجل - ينزل إلى السماء على ما صح به الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا اعتقاد كيف فيه، ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله - عز وجل - في القيامة دون الدنيا، ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثوابا له في الآخرة، كما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [1] وقال في الكفار: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [2] .

فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه كانوا بأجمعهم عنه محجوبين، وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله - عز وجل - ولا التحديد له، ولكن يرونه -جل وعز- بأعينهم على ما يشاءوه و بلا كيف

مسألة النزول من الصفات الفعلية التي يفعلها الله تعالى إذا يشاء، ومثلها مسألة المجيء والإتيان، قد دل القرآن على الإتيان والمجيء، قال الله تعالى في سورة البقرة: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [3] وقال في سورة الأنعام: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ} [4] وقال في سورة الفجر: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) } [5] هذا في المجيء.

وحدد بأنه في يوم القيامة؛ لأنه قال قبل ذلك: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} [6] كل ذلك في يوم القيامة.

وردت الأحاديث في مجيء الله تعالى كما يشاء في يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، وكذلك أيضا تكاثرت الأدلة، واتفق عليها سلف الأمة في إثبات هذه الصفة، ولما كان هذا المجيء الذي أثبته الله، وكذلك النزول في الأحاديث، مخالفا لما يعتقده المعتزلة ونحوهم، أنكروا هذه الصفات.

فقرأت في بعض التفاسير لبعض الأشاعرة، لما أتى على الآية في سورة البقرة قال:"وأما إتيان الله، فقد أجمع المسلمون على أن الله منزه عن المجيء والذهاب؛ لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات".

ثم ذكر أن في هذه الآية قولين: القول الأول: قول السلف، وهو إمرارها وتفويضها وعدم الخوض فيها، يزعم أن هذا قول السلف، مع أن السلف قد صرحوا بالإيمان بما في هذه الصفات والاعتراف بمعانيها.

والقول الثاني: زعم هو تحريفها الذي يسمى تأويلا، وقد تسلطوا على هذه الآيات، سلطوا عليها التأويلات، وتكلفوا في صرفها، فآية سورة البقرة {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [7] لا شك أن هذا عند قيام الساعة يعني أن يأتيهم الله تعالى لفصل القضاء بينهم، ولعقاب من يعاقب.

المتأولون قالوا: المجيء هنا لأمر الله {أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ} [8] يعني أمر الله، أو قالوا: المجيء المأتي به محذوف، تقديره: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بعذاب في ظلل من الغمام، أو أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام.

(1) - سورة القيامة آية: 22 - 23.

(2) - سورة المطففين آية: 15.

(3) - سورة البقرة آية: 210.

(4) - سورة الأنعام آية: 158.

(5) - سورة الفجر آية: 22.

(6) - سورة الفجر آية: 22 - 23.

(7) - سورة البقرة آية: 210.

(8) - سورة البقرة آية: 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت