أنها صريحة في إثبات مجيء الله كما يشاء {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [1] يعني وجاء الملك، يعني: جنس الملائكة، {صَفًّا} [2] يعني: صفوفا متتابعة صفا وراء صف، فهذه أدلة من القرآن.
وقد ذكرنا أن الأشاعرة وكذلك المعتزلة سلطوا عليها التأويلات؛ لأنهم ينكرون هذه الأشياء، ينكرون صفات الأفعال، ويقولون: إن هذا من شأن المحدثات والمركبات، يعني المجيء والذهاب من شأن المحدثات والمركبات، ولا ندري ماذا يريدون بالمحدثات؟
معلوم أن إتيان كل شيء أو مجيء كل شيء بحسبه، فلا يجوز أن نحكم فيها الآراء، وأن نسلط عليها التقديرات، وأن نتخرص فيها تخرصا لا موقع له، ولا مستند له، بل نعترف ونتحقق بأن كل ما ذكره الله عن نفسه فإنه حق ويقين، فنقول: يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده، ولكن لا ندري ما كيفية إتيانه، كما أننا لا نكيف ذاته.
وأما النزول فهو وارد في الأحاديث مشهور، ذكر ابن كثير وغيره أنه مروي عن عشرة من الصحابة، وقد يكونون أكثر من العشرة، حديث النزول بلفظ " ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة " وبلفظ " إذا كان في آخر الليل " أو " إذا كان في نصف الليل " أو " في ثلث الليل هبط ربنا إلى سماء الدنيا " أو ما أشبه ذلك من العبارات ومن الألفاظ.
وقد أورد الأحاديث ابن القيم -رحمه الله- في كتابه"الصواعق"، استوفى ما ورد فيها، يعني مع الاقتصار على البعض لا الكل، وتبعه الحافظ الحكمي في"معارج القبول"فأورد الأحاديث التي وردت في النزول في آخر الليل بلفظ"ينزل"أو"نزل"أو"يهبط"أو"هبط"أو ما أشبه ذلك، أحاديث كثيرة يدل مجموعها على أنه يقين، وأنه مأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه حق ويقين.
ولما كان هذا مما يخالف معتقد المعتزلة والأشعرية ونحوهم الذين ينكرون صفات الأفعال، كثر خوضهم في ذلك، فقدروا فيه التقديرات، منهم من قال: ينزل أمره، تفسيرا بالتحريف، ومنهم من قال: لا نقبل هذه
(1) - سورة الفجر آية: 22.
(2) - سورة الكهف آية: 48.