الله ليس في جهة، فإن لم يكن في جهة، فكيف يتمثل أمام الرائيين؟ الرؤية لا بد أن تكون أمام الرائي، وأن تكون عن مقابلة وعن نظر، فأنكروها إنكارا بليغا.
ثم جاء الأشاعرة، وهم أكثر وجودا، وأشد تكاثرا في البلاد، ومذهبهم هو المذهب المنتشر والمتمكن في كثير من البلاد الإسلامية، مذهب الأشاعرة.
ولما كان أكثرهم على مذهب الشافعي في الفقه والأحكام، وكان الشافعي -رحمه الله- يصرح بإثبات الرؤية لله تعالى، ويستدل بقوله للكفار: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [1] ويقول: إن هذا من عقيدة المسلمين، لم يتجرئوا على إنكار الرؤية إنكارا واضحا، بل أقروا بها إقرارا ظاهرا.
ولكن في الحقيقة أنهم لا يثبتونها، فيقولون: نثبت رؤية الله، ولكن الرؤية التي نثبتها هي مكاشفات للقلوب، وتخيلات ليست حقيقة، فينكرون أن تكون الأحداق تقابل ذات الرب تعالى، يقولون: ليس المراد من إثبات الرؤية تقليب الأحداق نحو ذات الرب تعالى، فإن هذا محال في زعمهم؛ لأنه يستلزم إثبات الجهة، هذا هو معتقدهم.
فنقول: نحن نثبت رؤية حقيقية، ونثبت أن الله تعالى في جهة العلو فوق عباده، ونثبت أنه يتجلى لعباده كما يشاء، كما أننا وأنتم نثبت لله تعالى ذاتا حقيقية، وإذا كان كذلك فلا بد أن تكون الذات ترى، يراها عباده كما يشاء، ويتجلى لعباده، وكما أنه تعالى يتكلم ويسمع كلامه، فلا بد أيضا أن يكون يرى كما يشاء، ويتجلى لعباده. هذا هو القول الذي تؤيده الأدلة.
وقد استدل على ذلك بأن موسى -عليه السلام- سأل الرؤية بقوله: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [2] ولا بد أن موسى عالم بأنه يمكن أن يرى ربه، ولكن الله تعالى أخبر موسى بأنه لا يستطيع أن يتماثل، وأن يثبت أمام عظمة الرب
(1) - سورة المطففين آية: 15.
(2) - سورة الأعراف آية: 143.