الصفحة 77 من 322

وإذا قيل: أليس الإنسان يتسبب في خلق الولد؟ نقول: الله تعالى هو الذي يخلق الأولاد، قدَّر أن هذا الاتصال بين الذكر والأنثى يسبب خلق المولود وتولده بين اثنين، قدر ذلك، فهو الذي قدره، وهو الذي يخلقه.

ليس الإنسان هو الذي يخلق أولاده، ولو كان كذلك لاختار مثلا أن يكون أولاده ذكورا، ولاختار أن يكون خلقهم حسنا، ولاختار أن يكون خلقهم تاما، فلا يكون هناك معطوب، ولا يكون هناك معاق، ولا يكون هناك ناقص الخلق، ولا يكون هناك سيئ الخلقة وما أشبه ذلك؛ فدل على أن الله تعالى هو الذي يخلقهم، وهو الذي فاوت بينهم.

قال:"مالكهم"هو الذي يملكهم {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} الخلق كلهم ملكه، وتحت تصرفه وتقديره، خلقهم وأنشأهم، لم يخلقهم لحاجة، ليس لحاجة أوجدهم وأنشأهم، بل هو الغني عنهم، وهم الفقراء.

في الحديث القدسي الذي في صحيح مسلم يقول الله تعالى: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ".

ثم قال: " يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ... يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ... يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم " إلى آخر الحديث.

فيخبر بأنه غني عنهم، وأنهم لو اجتمعوا كلهم على أتقى قلب رجل ما زاد ذلك في ملكه، أو اجتمعوا على أشقى قلب رجل وأفجر قلب رجل ما نقص ذلك في ملكه، وأنهم لن يبلغوا نفعه، ولن يبلغوا ضره.

"لا عن حاجة خلقهم": لم يكن بحاجة إليهم، ولكن خلق هذا الخلق وأوجده للابتلاء والامتحان، أوجد هذا المخلوق حتى يبلوه، قال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) } وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} خلق الموت وخلق الحياة، وخلق هؤلاء المخلوقين، وأوجدهم ويعني قدَّر أنهم يحيون الحياة التي يعيشونها، وقدر أرزاقهم، وكذلك أمرهم ونهاهم، فكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره.

"لا عن حاجة إلى ما خلق ولا لمعنى دعاه إلى أن خلقهم"أي: ليس هناك دافع دفعه إلى خلقهم وقد ذكرنا قوله: " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني " فليس بحاجة إليهم لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي، بل هو النافع الضار {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) } يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن.

أراد إيجاد هذه المخلوقات، وكذلك أوجد جميع الحيوانات صغيرها وكبيرها، أوجد الدواب والحشرات والطيور والوحوش والسباع والهوام وغيرها، هو الذي أوجدها وجعلها آية على قدرته، حيث خلق هذه المتضادات، وحيث أنشأها مع اختلافها، أليس ذلك دليل على كمال قدرته؟ حيث خلق هذه المخلوقات وجعلها تتوالد كما يشاء.

مُشاهَد آيات الله تعالى أن كل مخلوق إنما يلد من جنسه، فمثلا السبع يلد سبعا مهما كانت أحواله، ولو رُبي ثم ربي، ذكر بعض أهل القصص أن امرأة أخذت جرو ذئب فربته في بيتها وأرضعته من شاتها، جرو ذئب صغير، ولما كبر بدأ فعقر شاتها مع أنه أليف لهم فأنشأت تقول:

عقرت شويهتي وفجعت قلبي ... وأنت لشاتنا ولد ربيب

غذيت بدرها ونشأت فينا ... فمن أدراك أن أباك ذيب

إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع فيها الأديب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت