فإن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بصفات الكمال، منعوت بنعوت العظمة والجلال، وعلى كل حال فالباطل مردود على قائله كائنا من كان، والقاعدة السلفية في مثل هذه الكلمات، أنه لا يجوز نفيها ولا إثباتها إلا بعد التفصيل، وتبيُّن مراد قائلها.
وكان على المؤلف أن يجمل في النفي، غير أنه أراد بهذا النفي أن يسد الطريق على المعطلة، لئلا يكون لهم مدخل في رمي أهل الحديث بالتشبيه، ولكنه بهذه العبارات فتح الباب لهم ليذموا من أطلقها بموافقتهم على نفي بعض الصفات الذاتية، كالوجه واليدين فلو أمسك -رحمه الله-عن هذه العبارات لكان أجدى"."
سمعنا هذه العبارة قوله"ولا يُعتقد فيه الأعضاء والجوارح ولا الطول والعرض والغلظ والدقة ونحو هذا، مما يكون مثله في الخلق، وأنه ليس كمثله شيء تبارك وجه ربنا ذي الجلال والإكرام"، وسمعنا هذا التعليق.
فنقول: إنه في القرن الرابع تمكنت مذاهب المعتزلة وأقوالهم، وكذلك من قاربهم كالكرامية والكلابية والأشعرية ونحوهم، ولما كان لهم تمكن صار الذين يتتلمذون عليهم يولدون مثل هذه العبارات، فيرون أننا إذا أثبتنا الصفات استلزم من إثباتها هذه الأشياء، فلذلك قالوا: لا بد أن نصرح بنفيها، وأن نتبرأ ممن ينفيها، حتى لا يرمينا النفاة أو المعتزلة ونحوهم، بأننا مجسمة أو مشبهة أو نحو ذلك.
فالتزموا بنفي هذه الأشياء، وإلا فهي عبارات لم يرد لها دليل، ولم يستعملها السلف لا نفيا ولا إثباتا، فالسلف ما كانوا يتدخلون في هذه الأمور، فلا يقولون ننزه الله تعالى عن الحدود وعن الأعراض وعن الأبعاض، وعن الأجزاء وعن الجهات وعن الجسم وعن الحيز، ما كانوا يتدخلون في هذا، بل يقتصرون على الوارد، يقولون الصفات التي ورد دليلها نقول بها ونثبتها لفظا ومعنى، ونتوقف عن الكيفية، التي هي عليها.
وكذلك أيضا نتوقف عن التعليل الذي تُعلل به أفعال الله تعالى، ونقول هكذا وردت فنثبتها ونثبت لفظها ومعناها، ونتوقف عن تكييفها وهكذا وردت الأفعال والأحكام فنثبتها، ونتوقف عن تعليلها، ولا نقول لماذا وُصف بكذا دون كذا، ولا لماذا فعل كذا دون كذا، فالتعليلات مرجعها إلى الله، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } [1] وكذلك الصفات والكلمات المبتدعة التي لم يتكلم بها السلف، نقول إنها بدعة إثباتا ونفيا.
فمن قال: إن الله جسم، قلنا: أنت مبتدع، ومن قال: إن الله ليس بجسم، قلنا: أنت مبتدع، ومن قال: لله أعضاء وأجزاء، قلنا: هذا بدعة، ومن قال: ليس لله أجزاء ولا أعضاء ولا أبعاض، قلنا: أيضا هذا بدعة لا تقل هذا ولا تتكلم فيه؛ لأن هذا ما ورد؟ ما دليلك على النفي؟ وما دليلك على الإثبات؟ قف حيث وقف القوم، وتوقف عن التكلفات الله تعالى يقول لنبيه: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) } [2] .
فالتكلف الذي هو أن يكلف الإنسان نفسه، فيقول بلا علم ويتخرص في الاعتقاد، ويتخرص في الأسماء والصفات، ويقول شيئا من قِبَل نفسه، هذا هو التكلف، ولكن كما سمعنا أن بعضا من أهل الحديث وأهل العقيدة، لما ظنوا أن إثبات هذه الأشياء يستلزم أن المعتزلة يعيبون من أثبت الصفات بكذا وكذا، صرحوا بمثل هذا النفي.
كأنهم يقولون: إذا أثبتم لله تعالى الاستواء وأثبتم له المجيء والنزول، فإن هذا إثبات أجسام، لأنا لا نعرف من ينتقل من فوق إلى تحت، أو من يجيء أو من يستوي ويرتفع إلا الأجسام والأعراض، فقد أثبتم جسما أو أثبتم عرَضا أو أثبتم أجزاء وأبعاضا أو نحو ذلك، هكذا يقولون.
فهم إذا قيل لهم: إن الله تعالى مستو على عرشه، قالوا: هذا يستلزم أن يكون جسما، لأن الاستواء الذي هو الاستقرار على العرش لا بد أن يكون جسما، فقد جسمتم أثبتم لله تعالى جسما، فنقول: لا ترمونا بإثبات شيء لم نقله، نحن لا نقول إن الله جسم، ولا غير جسم، الله تعالى وصف نفسه بهذه الصفات ونتوقف عما زاد عليها، فلا ترمونا بهذا.
(1) - سورة الأنبياء آية: 23.
(2) - سورة ص آية: 86.