وكذلك إذا قدروا التقديرات، وقالوا إذا استوى على العرش، فإما أن يكون مثل العرش، أو دون العرش، أو فوق العرش، أو أكثر أو أوسع منه، نقول: هذا هو التكلف، لا تتدخلوا في هذا، أثبتوا ما أثبته الله، وكِلوا الكيفية إليه سبحانه، كيفية الاستواء، توقفوا فيها كما قال السلف: الكيف مجهول.
وإذا قالوا مثلا: إن مجيئه ونزوله من شأن المحدثات ومن شأن المركبات، يلزم أن يكون حادثا، ويلزم أن يكون مركبا، أن يكون الله مركبا من أعضاء، ومن أجزاء وما أشبه ذلك -تعالى الله عن ذلك- قلنا: هذا أيضا من التكلف، لا حاجة بنا إلى أن نخوض في مثل هذا، الله تعالى ربنا نؤمن به، وهو خالق الخلق، وهو مدبرهم، وأما الخوض في تكييف صفاته، وفي تنزيهه عن أشياء قد سكت عنها، وسكت عنها السلف وأئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن الدخول فيها تكلف.
في مناظرة لشيخ الإسلام في دمشق لما ناظرهم في الصفات وأثبتها عند ذلك كان يقول: لله تعالى وجه ولا يشبه خلقه، ولله يدان من غير تشبيه، ليست كيد المخلوق، والله تعالى يضحك ويعجب لا كعجب المخلوق، والله تعالى يرحم لا كرحمة المخلوق، فعند ذلك قال بعض الحاضرين: إذن فنقول: إن لله تعالى جسم لا كأجسام المخلوقين.
فقال شيخ الإسلام: كلا لا نقول هذا؛ لأن هذا لم يرد، ونحن إنما نقول بما ورد، أنتم توافقون على أن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، فأين في الصفات إثبات الجسم أو نفيه؟ وأين في صفات الله أو في الآيات والأحاديث إثبات العرَض أو نفيه؟ أو إثبات الأبعاض والأجزاء أو نفيها، أو إثبات التركيب وحلول الحوادث أو نفيها، أو إثبات المقدار أو ما يقوله الغِلَظ والدقة وما أشبه ذلك أو نفيها.
لما لم ترد مثل هذه لم يجز استعمالها لا نفيا ولا إثباتا، فهذا هو -حقا- القول الصحيح الثابت، أن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأن مثل هذه الأعراض والكلمات التي توسع فيها هؤلاء إنما هي مبتدعة.
ذكر المعلق عذر المؤلف في مثل هذه الكلمات، يقول: لا شك أنه أراد بهذا النفي أن يسد الطريق على المعطلة، لئلا يكون لهم مدخل في رمي أهل السنة بالتشبيه، هكذا استعمل هذه الكلمات حتى يسد الباب