يدعو على صاحبه فما برح مقامه يدعو عليه حتى وَلِهَ فذهب عقله وجعل يصيح بمكة: ما لي وللذود, ما لي ولفلان رب الذود؛ فبلغ ذلك عبدالمطلب فجمع ذوده فدفعها إلى المظلوم فخرج بها وبقي الآخر متولهًا حتى وقع من جبل فتردى منه فأكلته السباع.
ومن القصص فيه أيضًا قصة أبرهة الحبشي الذي أراد هدم الكعبة. فإن الله تعالى لما أرسل الطير الأبابيل على قومه فرمتهم بالحجارة هرب فيمن هرب من قومه ولم تصبه الحجارة ولكنه أصيب في جسده بما هو أنكى وأشد من الحجارة التي أصيب بها قومه, قال ابن إسحاق: أصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة كلما سقطت أنملة اتبعتها مِدَّة تمث قيحًا ودمًا حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.
ومن القصص فيه أيضًا قصة النجس الخبيث أبي طاهر القرمطي - لعنه الله -، فإنه دخل مكة يوم التروية في سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل خلقًا كثيرًا من الحاج في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة ونهب أموالهم وأخذ الحجر الأسود وباب الكعبة ثم عاد إلى بلاده. قال أبو الفداء: لما عاد القرمطي إلى بلاده رماه الله تعالى في جسده حتى طال عذابه وتقطعت أوصاله وأطرافه وهو ينظر إليها وتناثر الدود من لحمه.
ومن القصص فيه أيضًا ما ذكره ابن الأثير في «الكامل» , وابن كثير في «البداية والنهاية» : أن القرمطي أبا طاهر - لعنه الله - أمر رجلًا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه فسقط على أم رأسه فمات فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب.
وقد جاء في عقوبات المتهاونين بحرمة الكعبة قصص كثيرة سوى ما تقدم ذكره, ولكنها عقوبات لم تبلغ بأصحابها إلى الموت فلهذا لم أذكرها هاهنا, وسيأتي ذكرها في القسم الثاني إن شاء الله تعالى.
ومن القصص في هذا القسم أيضًا ما أصيب به المستهزئون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العقوبات المتنوعة. وقد رويت هذه القصة من عدة طرق. منها: ما رواه البيهقي في «دلائل النبوة» عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قول الله عزّ وجل: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [1] .
قال المستهزؤون: الوليد بن المغيرة, والأسود بن عبد يغوث الزهري, والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبدالعزى, والحارث بن غيطلة السهمي, والعاص بن وائل فأتاه جبريل
(1) سورة الحجر, الآية: 95.