لِلْمُتَّقِينَ [1] . قال ابن عباس - رضي الله عنهما -. {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. وقال السدي وعطية العوفي: {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال البغوي: {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} للمؤمنين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا يفعلون مثل فعلهم. انتهى. وإنما قصّ الله تعالى في كتابه قصص المخالفين للرسل وما أصابهم من العقوبات ليعتبر المسلمون بذلك ويحذروا بأس الله ونقمته. فقد قال الله تعالى: {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [2] . وقال تعالى محذرًا للظالمين من هذه الأمة أن يصابوا بمثل ما أُصيب به قوم لوط من الرمي بالحجارة: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [3] . قال قتادة في قوله: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} يقول: ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط. رواه ابن جرير. وعن قتادة أيضًا قال: يعني ظالمي هذه الأمة والله ما أجار منها ظالمًا بَعْدُ. رواه ابن جرير. وعن أبي بكر الهذلي قال: يقول: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} من ظلمة أمتك ببعيد فلا يأمنها منهم ظالم. رواه ابن جرير. وذكر ابن الجوزي في تفسيره عن قتادة أنه قال: والله ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط فاتقوا الله وكونوا منه على حذر. وذكر البغوي أنه جاء في بعض الآثار: ما من ظالم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة.
فاتقوا الله أيها المخالفون لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا تهاونوا بمخالفة الأوامر وارتكاب النواهي ولا تصروا على المعاصي فيصيبكم من النكال مثل ما أصاب غيركم من المصرِّين, فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال وهو على المنبر: (وَيْلٌ للمصرِّين الذين يُصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) , رواه الإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري في «الأدب المفرد» بأسانيد جيدة من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -.
والله المسؤول أن يوفقني وجميع المسلمين للعمل بما يرضيه, وأن يعصمنا من التعرض لسخطه وعقوبته, إنه وليّ ذلك والقادر عليه, وصلّى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقد وقع الفراغ من كتابة هذه النبذة في يوم الخميس الموافق لليوم الحادي عشر من شهر المحرم سنة إحدى عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة على يد الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبدالله بن
(1) سورة البقرة, الآيتان: 65 و 66.
(2) سورة يوسف, الآية: 110.
(3) سورة هود, الآيتان: 82 و 83.