فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 114

فأصابه السموم فاسودّ حتى عاد حبشيًا فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه حتى مات وهو يقول: قتلني رب محمد. ومَرَّ به الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: (عبد سوء) فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيته فامتخط قيحًا فقتله. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: إنه أكل حوتًا مالحًا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى انقدَّ بطنه فمات. فذلك قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} . وقد رواه أبو نعيم في «دلائل النبوة» من طريق الكلبي عن أبي صالح, عن ابن عباس - رضي الله عنهما - فذكره بنحوه. وروى ابن جرير في تفسيره عن قتادة ومقسم مولى ابن عباس - رضي الله عنهما - نحوه, وفيه بعض المغايرة لما جاء في تفسير البغوي.

ومن استهزاء المستهزئين برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما ذكره البلاذري في «أنساب الأشراف» , وابن الأثير في «الكامل» : أن الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة كان إذا رأى فقراء المسلمين قال لأصحابه: هؤلاء ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر وكان يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم: أما كُلِّمتَ اليوم من السماء يا محمد؟ وما أشبه هذا القول. وذكر البلاذري وابن الأثير أيضًا: أن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر, ويصفقون ويصفِّرون.

«تنبيه» : إذا علم ما أصيب به المستهزئون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العقوبة والنكال فليعلم أيضًا أنه يُخشى على المستهزئين بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصابوا بمثل ما أصيب به من كان قبلهم من المستهزئين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فما العقوبات من الظالمين ببعيد.

وليُعلم أيضًا أن الاستهزاء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يشمل الاستهزاء به في كل شيء من أخلاقه وأقواله وأفعاله. ومن ذلك الاستهزاء بالأحاديث الثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - كما يفعله بعض المتحذلقين [1] الذين غلب عليهم التيه والعُجْب بأنفسهم وبكتاباتهم الخاطئة. فهذا الضرب الرديء قد جعلوا عقولهم القاصرة وآراءهم الفاسدة ميزانًا للأحاديث فما وافق عقولهم وآراءهم قبلوه ونصروه ولو كان ضعيفًا أو موضوعًا, وما خالف عقولهم وآراءهم ضربوا به عرض الحائط ولم يبالوا برده ورفضه واطراحه ولو كان في الصحيحين أو في أحدهما. وهذا المسلك الباطل قريب مما ذكره البلاذري وابن الأثير عن بعض المستهزئين من كفار قريش أنهم كانوا يكذِّبون بما لا تحتمله عقولهم من

(1) قال في «لسان العرب» : المتحذلق هو المتكيّس الذي يريد أن يزداد على قدره ورجل حِذْلق كثير الكلام صَلِف وليس وراء ذلك شيء ويقال: حَذْلَق الرجل وتحذلق إذا أظهر الحذق وادعى أكثر مما عنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت