وفيها أن من قدم شيئًا على طاعة الله والإنفاق في سبيله عُذِّب به وربما سُلِب منه معاملة له بنقيض قصده. وفيها أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر ونفذ الأمر الحتم. انتهى.
ومن قصص العقوبات التي وقعت في الأمم الماضية قصة أصحاب الجنة الذين اتفقوا على منع المساكين من الدخول عليهم في جنتهم يوم صرامها. وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة (نون) . قال ابن كثير في «تفسيره» : ذكر بعض السلف أن هؤلاء كانوا من أهل اليمن. قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها: ضروان على ستة أميال من صنعاء, وقيل: كانوا من أهل الحبشة وكان أبوهم قد خَلَّف لهم هذه الجنة وكانوا من أهل الكتاب وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه ويدخر لعياله قوت سنتهم ويتصدق بالفاضل, فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء, ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا. فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية, رأس المال والربح والصدقة فلم يبق لهم شيء. قال الله تعالى: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ} [1] , أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات وبدل نعمة الله كفرًا: {وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [2] . وقد ذكر ابن جرير عن عكرمة وقتادة نحو ما تقدم عن سعيد بن جبير. وقوله تعالى: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [3] . قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أي: كالليل الأسود.
وعنه أيضًا أنه قال: كالرماد الأسود. وقال الفراء: كالليل المسودّ. وقال ابن قتيبة: أصبحت سوداء كالليل محترقة.
ومن قصص العقوبات التي وقعت في الأمم الماضية قصة الأبرص والأقرع من بني إسرائيل, وقد رواها البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكًا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس, قال: فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا, قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل, أو قال: البقر, قال: فأعطي ناقة عشراء, فقال: بارك الله لك فيها. قال. فأتى
(1) سورة القلم, الآية: 33.
(2) سورة القلم, الآية: 33.
(3) سورة القلم, الآية: 20.