حتى دفن في ذلك القبر وسووا عليه التراب فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين حتى سقط أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ثم أثاراه ثم تدلى أحدهما في القبر والآخرة على شفيره فجئت حتى جلست على شفير القبر وكنت رجلًا لا يملأ جوفي شيء. قال: فضرب بيده إلى حقوه فسمعته يقول: ألستَ الزائر لأصهارك في ثوبين ممصرين تسحبهما كِبْرًا تمشي الخيلاء, فقال: أنا أضعف من ذلك, قال: فضربه ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء ودهنًا, قال: ثم عاد فأعاد عليه القول مثل الأول حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول ذلك ويذكر أن القبر يفيض ماء ودهنًا, قال: ثم رفع رأسه فنظر إليّ فقال: انظر أين هو جالس بَلَّسَه الله, قال: ثم ضرب جانب وجهي فسقطت فمكثت ليلتي حتى أصبحت, قال: ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله.
قال ابن القيم بعدما ذكر هذه القصة في كتاب «الروح» : فهذا الماء والدهن في رأي العين لهذا الرائي هو نار تأجج للميت كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدجال أنه يأتي معه بماء ونار, فالنار ماء بارد والماء نار تأجج. انتهى.
ومن العقوبات أيضًا قصة النباش الذي ضرب في عينيه فكان موضعهما عجبًا من العجب. وقد ذكر هذه القصة محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي في كتابه المسمى بـ «البحور الزاخرة, في علوم الآخرة» قال: ومن عجيب ما ذكر الحافظ الدمياطي في معجمه سمعت محمد بن إسماعيل بن عبدالله الدمياطي يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبدالله الثعلبي صاحب السلفي يقول: كان عندنا رجل نباش يتكفف الناس أعمى وكان يقول: من يعطيني شيئًا فأخبره بالعجب. ثم يقول: من يزيدني فأريه العجب. قال: فأعطي شيئًا وأنا إلى جنبه أنظر, فكشف عن عينيه فإذا بهما قد نفذتا إلى قفاه كالأنبوبتين النافذتين يُرَى من قِبَل وجهه ما وراء قفاه. ثم قال: أخبركم أني كنت في بلدي نباشًا حتى شاع أمري فأخفت الناس حتى ما أباليهم وإن قاضي البلد مرض مرضًا خاف منه الموت فأرسل إليّ وقال: أنا أشتري هتكي في قبري منك وهذه مائة دينار, فأخذتها فعوفي من ذلك المرض. ثم مرض بعد ذلك فمات, وتوهمت أن العطية للمرض الأول فجئت فنبشته فإذا في القبر حس عقوبة والقاضي جالس ثائر الرأس محمرة عيناه كالسكرجتين [1] , فوجدت زَمَعًا في ركبتي وإذا بضربة في عينيَّ من إصبعين وقائل يقول: يا عدو الله أتطلع على أسرار الله عزّ وجلّ. وقد ذكر هذه القصة الحافظ ابن رجب في كتابه «أهوال القبور» .
(1) سيأتي بيان معنى السكرجة والزمع قريبًا إن شاء الله تعالى.