ومن العقوبات أيضًا عقوبة الجاهل العاتي الذي أراد أن ينقذ زوجته من عذاب القبر. وقد ذكر هذه القصة السفاريني في كتابه «البحور الزاخرة» قال: أخبرني بعض إخواني وهو عندي غير متهم أن رجلًا من بلدهم ماتت زوجته, قال: وكانت تتعاطى الربا - بالباب الموحدة - فلما كان وقت العشاء سمع زوجها صريخًا من داخل القبر وكان جالسًا في باب داره فلما سمعها أخذته الحشومة [1] من أجلها وكان ذا شدة وبأس فأخذ سلاحه وذهب إلى قبرها فوقف عليها وقال لها: لا تخافي فإني عندك, زعمًا منه أنه سينقذها مما هي فيه لشدة عتّوه وجهله وتناول حجرًا من القبر قال: فما رفع رأسه حتى ضرب ضربة أبطلت حركته وأرخت مفاصله وأدلع لسانه فرجع على حالة قبيحة وهيئة فضيحة. قال: فو الله لقد رأيته وهو قد رُضَّ حنكه وبصاقه ينزل على صدره. قال: وهذا خبر استفاض عند أهل البلد كلها.
ومن العقوبات العاجلة ما رواه أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي في كتاب «المحن» بإسناده عن أبي قلابة قال: دخلت فندقًا بالشام فإذا أنا برجل مقطوع اليدين والرجلين أعمى منكبًا لوجهه ينادي: يا ويله, النار, فقلت له: مالك؟ فقال: كنت فيمن دخل على عثمان يوم الدار وكنت في سرعان من وصل إليه فلما دنوت منه صرخت امرأته فرفعت يدي فلطمتها فنظر إليّ عثمان فتغرغرت عيناه فقال لي: مالك؟ سلبك الله يديك ورجليك وأعمى بصرك وأصلاك نار جهنم؟ قال: خرجت هاربًا من دعائه فركبت جملي حتى أتيت مكاني هذا, فأتاني آتٍ ففعل بي ما ترى, ووالله ما أدري إنسيًا كان أو جنيًا, فقد استجاب الله في يديَّ ورجليَّ وبصري ووالله ما بقي إلا النار. قال أبو قلابة: فهممت أن أطأه وقلت له: بُعْدًا لك وسحقًا.
ومن العقوبات العاجلة ما ذكره الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني في كتابه «نفح الطيب» : أن طالوت بن عبدالجبار المعافري الأندلسي - وهو من أصحاب الإمام مالك - خرج على الحكم بن هشام بن عبدالرحمن مع الذين يريدون خلعه إقامة أخيه المنذر وزحفوا إلى قصره بقرطبة فحاربهم وقتلهم وفَرَّ من بقي منهم. فاستتر الفقيه طالوت عامًا عند يهودي ثم ترامى على صديقه أبي البسام الكاتب ليأخذ له أمانًا من الحكم فوشى به إلى الحكم وأحضره إليه فعنفه ووبخه. فقال له: كيف يحل لي أن أخرج إليك وقد سمعت مالك بن أنس يقول: سلطان جائرة مدة خير من فتنة ساعة. فقال: الله لقد سمعتَ هذا من مالك؟ فقال طالوت: اللهم إني قد سمعته, فقال: انصرف إلى منزلك وأنت آمنٌ. ثم سأله أين أستتر؟ فقال: عند يهودي مدة عام ثم إني قصدت هذا الوزير فغدر بي فغضب الحكم على أبي البسام وعزله عن
(1) قال أهل اللغة: الحشمة الغضب, والاحتشام: التغضب, وحشمت فلانًا وأحشمته أي: أغضبته.