وزارته وكتب عهدًا أن لا يخدمه أبدًا. فرؤي أبو البسام بعد ذلك في فاقة وذل. فقيل: استجيبت فيه دعوة الفقيه طالوت.
وقد ذكر هذه القصة الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» في ترجمة الحكم بن هشام وقال: كان طالوت اختفى سنة عند يهودي ثم خرج وقصد الوزير أبو البسام ليختفي عنده فأسلمه إلى الحكم فقال: ما رأي الأمير في كبش سمين وقف على مِذْوَده عامًا؟ فقال الحكم: لحم ثقيل, ما الخبر؟ قال: طالوت عندي, فأمره بإحضاره, فأحضر فقال: يا طالوت أخبرني لو أن أباك أو ابنك ملك هذه الدار أكنت فيها في الإكرام والبر على ما كنت أفعل معك؟ ألم أفعل كذا؟ ألم أمش في جنازة امرأتك ورجعت معك إلى دارك؟ أفما رضيت إلا بسفك دمي؟ فقال الفقيه في نفسه: لا أجد أنفع من الصدق, فقال: إني كنت أبغضك لله فلم يمنعك ما صنعتَ معي لغير الله وإني لمعترف بذلك أصلحك الله. فوجم الخليفة وقال: اعلم أن الذي أبغضتني له قد صرفني عنك, فانصرف في حفظ الله ولست بتارك بِرِّك وليت الذي كان لم يكن ولكن أين ظفر بك أبو البسام لاكان؟ فقال: أنا أظفرته بنفسي وقصدته, قال: فأين كنت في عامك؟ قال: في دار يهودي حفظني لله. فأطرق الخليفة مليًّا ورفع رأسه إلى أبي البسام وقال: حفظه يهودي وستر عليه لمكانه من العلم والدين وغدرت به إذ قصدك وخفرت ذمته, لا أراني الله في القيامة وجهه إن رأينا لك وجهًا. وطرده وكتب لليهودي كتابًا بالجزية فيما ملك وزاد في إحسانه, فلما رأى اليهودي ذلك أسلم مكانه.
ومن العقوبات ما أصيب به الزمخشري في رجله بسبب دعاء أمه عليه. وقد ذكر قصته ابن خلكان في تاريخه «وفيات الأعيان» , وذكرها أيضًا ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» , وذكرها الوزير جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي في كتابه «إنباه الرواة» قال القفطي: كان الزمخشري مقطوع الرِّجْل قد جعل رِجْلًا من خشب يستعين بها في المشي, ولما دخل بغداد سأله الدامغاني الفقيه الحنفي عن سبب قطعها فقال: دعاء الوالدة, وذلك أني في صباي أمسكت عصفورًا وربطته بخيط في رجله وانفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط فتألمت أمي لذلك وقالت: قطع الله رِجْل الأبعد كما قطع رجله. فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدابة فانكسرت الرجْل وعملت عملًا أوجب قطعها. وذكر ياقوت الحموي عنه أنه قال: انكسرت رجلي وأصابني من الألم ما أوجب قطعها.