فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 114

لابني عبيد الله قثم وعبدالرحمن - دعا على بسر فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله, فخرف الشيخ حتى ذهل عقله واشتهر بالسيف فكان لا يفارقه فجعل له سيف من خشب وجعل بين يديه زِقٌّ منفوخ يضربه وكلما تخرق أبدل فلم يزل يضرب ذلك الزق بذلك السيف حتى مات ذاهل العقل يلعب بخرئه وربما كان يتناول منه ثم يقبل على من يراه فيقول: انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد الله, وكان ربما شدت يداه إلى وراءه منعًا من ذلك فأنجى ذات يوم في مكانه ثم أهوى بفيه فتناول منه فبادروا إلى منعه, فقال: أنتم تمنعونني وعبدالرحمن وقثم يطعماني, ومات بسر في أيام الوليد بن عبدالملك سنة ستة وثمانين.

ومن العقوبات على الإفحاش في إنكار المنكر وعدم الرفق بالجاهل ما ذكره زين الدين العراقي في كتابه «طرح التثريب» قال: حكى لي صاحبنا الشيخ الإمام القدوة شيخ الدين محمد بن صديق الجناني - رحمه الله - قال: كنت في المسجد الحرام فرأيت رجلًا بال في المسجد فتغيظت عليه وزدت في تعنيفه ثم ألزمته أن حمل في ذلك الحصباء الذي تنجس ببوله ثم ثوبه حتى أخرجه من المسجد لأنه كان في زحمة الموسم فخشيت أن يطأه الناس ويتنجسوا به قبل تطهيره, قال: ثم تذكرت قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه) [1] , فندمت على إفحاشي عليه وربما كان جاهلًا أو سبقه بغير اختياره. قال: فابتليت في ذلك اليوم بأن سبقني البول في إزاري وردائي وأنا محرم - وكان عنده تحرز في الطهارة وربما جاوزها إلى الوسوسة - قال: فخرجت من المسجد وبقيت حائرًا أين أتطهر وأطهر إحرامي مع اجتماع الناس وكثرتهم على المياه بمكة فذهبت إلى مساقي باب المعلى والزحام عليها فاستقبلني رجل من السقايين الذين في الركب لا أعرفه ولا أذكر أني رأيته قبل ذلك فقال: أهلًا وسهلًا بحبنا الموسوس كأنك تريد تتطهر؟ فقلت له: نعم فأعطاني شيئًا استترت به ثم نزع إزاري وردائي ودعا صبيانه فأمسك بعضهم الإزار والرداء وأمر بعضهم فطهر بدنه وأفرغ بالدلو من ماء كثير عليهما حتى طابت نفسي بتطهيرهما ووقف الصبيان بهما في الهواء حتى جَفَّا وأمرهم فصبوا عليّ حتى طابت نفسي بحصول الطهارة ثم ألبسوني إحرامي وقال لي: آنستنا اليوم ورَحَّبَ بي فصرت متعجبًا من وقوع مثل هذا من هذه الطائفة وعلمت أن ذلك بندمي على إفحاشي على الذي سبقه البول في المسجد الحرام.

ومن عقوبات أهل البدع ما وقع للقاضي أبي بكر بن الأصم - وكان قاضيًا بمصر في زمن ابن أبي داود وكان يمتحن العلماء على القول بخلق القرآن فمن أجابه خلّاه ومن أبى عليه أرسله إلى أحمد بن أبي داود بالعراق. قال أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي في كتاب «المحن» :

(1) قال الأصمعي: الإزرام القطع, أي: لا تقطعوا عليه بوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت