الإعتبار، وكانوا يعرفون أنه ما أن يأخذ مراقب من المراقبين إلا ويضعه في حقيبته وينطلق حتى يصبح من المتعذر إستفادة هذه الأوامر وتصحيحها. وعن طريق ذلك نشأت ضرورة لإيجاد وإقلال عدد المرسل إليهم. الواقع أن التفكير الطويل وتوقع الأحداث المستمر قبل إتخاذ القرار، إضافة إلى منح القرار عند إتخاذه المرونة الكافية لكي تعطي المنفذ القدرة عند الضرورة معالجة الأمور الطارئة، وإتخاذ الإجراءات المناسبة حيال تغييرات الموقف التي تحدث بين إصدار القرار وتنفيذه. ولكن في الوقت الحاضر فالوسائل الحديثة للإتصال تغرينا أن نكتب كما نشاء، أوامر نعرف أننا نستطيع حتى شيئة إختصارها أو تعديلها عند آخر لحظة بمكالمة هاتفية أو برقية لاسلكية، ونعمل على إطالة هذه الأوامر ونملأها بالتفاصيل الخاصة بعمل المرؤوسين، كما نزيد عدد النسخ الموزعة كما نريد، وبمعنى آخر تغرينا وتساعدنا على نسيان أن الوقت المستنفذ في هذه الأمور هام جدا مهما قصرت مدته، والحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان أن إعطاء الأوامر بعد فوات الأوان خطيئة ضد الفكر، ولكنها خطيئة قاتلة. إن الصورة الباهتة الناتجة عن التفكير غالبا لا تملك قوة كافية لدفع الرجل إلى العمل، ولكن المرء يجد هذه القوة الدافعة في إرادته التي تمنحه القدرة بأن يحلق متجاوزة الشك والنقد الصغيرة، حتى يصل في النهاية إلى ثقة براغماتية تتمثل في العمل. وليس بإستطاعة الذكاء الوصول إلى هذه الدرجة السامية التي يصير بعدها خلاقا، إلا في حالة إستناده على التجربة والحس السليم والشخصية القوية. لقد أكد نابليون ذلك واعتبره لازمة لدعم الذكاء خلال تعثره عند مدخل العمل. وكان يرغب بقادة مرعبين تتساوى فيهم القاعدة مع الإرتفاع، حيث قال: (يجب أن يكون الرجل الحرب شخصية تعادل فكره، أما من زاد فکرهم وقلت شخصيتهم فلا يصلحون لهذه المهمة، فهم کمركب لا يتناسب صاريه مع ثقله) . إن الإرادة بدون ذكاء شيء خطير، ولكن الذكاء بلا إرادة شيء لا قيمة له في المجال العملي. ويؤدي إقتران العقل المفكر التحليلي مع الإلهام الفوري التركيبي